سلسلة الكتاب الروحى

-5-

الجزء الثانى من 3 أجزاء

 

تقديم كتاب

الروحانية الأرثوذكسية

للأب ليف جيلليه

 

ملخص الفصل الثانى

أساسيات الروحانية الأرثوذكسية

(تكملة)

 

3- النسك والتصوف

 

v                 الحياة النسكية هى الحياة التى تسود فيها الفضائل المكتسبة الناتجة من الجهاد الفردى المؤيد بالنعمة العامة التى يعطيها الله لكل إرادة صالحة.

v                 الحياة التصوفية هى الحياة التى تسود فيها عطايا الروح القدس على الجهاد البشرى، وفيها أيضا تسود الفضائل الموهوبة على الفضائل المُكتسبة.

v                 فالحياة النسكية يسودها العمل الإنسانى بينما يسود العمل الإلهى فى الحياة التصوفية.

v                 المثال على ذلك هو الفارق بين قارب التجديف والقارب الشراعى، فالمجذاف يشبه العمل النسكى، والشراع كالعمل التصوفى ينفرد ليستقبل الريح الإلهية.

v                 يجب أن نحترس من أن نقيم حاجزا فاصلا بين حياتى النسك والتصوف، فالحياة الروحية عامة هى مزيج من الإثنين.

v                 الحياة النسكية ليست مُرادفة للكمال المسيحى الذى هو المحبة، والذى تستطيع كل نفس بسيطة أن تبلغه دون أن تعرف شيئا آخر عدا طاعة الوصية فى بساطة ومحبة.

v                 النِعم الخاصة بالتصوف ... مُقدَّمة لكل القلوب المستقيمة، فالملك المسيح يشتهى أن يحضر الجميع وليمة عُرسِه.

v                 الرب جاءنا ليشعل نارا على الأرض (لو 49:12)، ولا يرغب إلا أن يراها تضطرم فى كل واحد، نسكا وتصوفا.

 

4- الصلاة والتأمل

 

v                 الصلاة وسيلة ضرورية للخلاص.

v                 للصلاة ثلاث درجات متصاعدة: توسلات لأجل الإنسان نفسه، وتوسلات لأجل الآخرين (شفاعية)، ثم الشكر والتسبيح. وتُكَون هذه الثلاثة درجات فى حد ذاتها برنامجا كاملا للحياة الروحية.

v                 الصلاة الأكثر حُبا - صوتية كانت أو عقلية هى الأفضل دائما.

v                 التأمل يبدأ "بصلاة البساطة" التى هى أن يضع الإنسان نفسه فى حضرة الله، وأن يستمر فى هذه الحضرة الإلهية فترة من الزمن، مُرَكزا على شخص الله فى هدوء داخلى.

v                 فى "صلاة البساطة" تختزل الأفكار والمشاعر المتعددة إلى وحدانية، ويحفظ الإنسان نفسه فى سكون بلا كلام أو نقاش. وهذه الصلاة هى أول درجات التأمل.

v                 التأمل هو الهُطول المُشتهىَ للمطر الغزير على حديقة النفس، فهو أقوى مؤازرة لجهادنا فى سبيل تتميم مشيئة الله.

v                 وحياة التأمل هى حياة لكل إنسان وليست قاصرة على ساكنى البرارى والمتوحدين، فهى ببساطة الحياة التى تتمركز حول التأمل، أى حياة مُرتبة لكى يكون التأمل متوفرا فيها وهو أيضا قِمتها.

v                 فأنت تعيش حياة التأمل إن كنت تعرف أن تفصل نفسك داخليا عن الأشياء والأشخاص لتدخل إلى نفسك ولا تدعها تحت سيطرتهم.

v                 إن كنت تحْضِر معك عندما تقرأ أو تفكر انشغالا بالله وانتباها للوجود فى حضرته، تكون قد بدأت فعلا أن تعيش حياة التأمل، حتى وإن كنت ما زلت تعيش فى العالم.

v                 التأمل المُكتسب هو الذى يأتى نتيجة مجهود شخصى، والتأمل الموهوب هو الذى يأتى من عمل النعمة الإلهية بدون أى مجهود بشرى يُذكر.

v                 فالتأمل المُكتسب ينتمى لحياة النسك بينما ينتمى التأمل الموهوب لحياة التصوف ويأتى كنتيجة طبيعية لحياة التأمل.

v                 وقد حددت القديسة تريزا فى الكنيسة الغربية أربعة مراحل للصلاة التأملية: 1) صلاة التركيز الهادئ الصامت فى الله، 2) الاتحاد الكامل المصحوب بمشاعر "ارتباط القوَى" التى للنفس، 3) اتحاد الدَهَش الذى تنطلق فيه النفس خارج ذاتها، 4) الزيجة الروحية أو الاتحاد المصحوب بالتغير الملحوظ (اتحاد التحول).

v                 أما التقليد الشرقى فيضع صلاة البساطة، صلاة السكون، والاتحاد الكلى ضمن درجة السكينة الروحية (hesychia)، والدرجة الأعلى هى الدَهَش (ecstasy)، وبعد الدَهَش تأتى درجة الزيجة الروحية أو اتحاد التحول التى يسميها الآباء الشرقيون "التأله" (theosis) أى الاتحاد الزيجى بين النفس وربها.

v                 التأمل مُتاح لكل واحد. فمع أنه من الحقيقى أن الرهبنة تهيئ ظروفا مناسبة له، لكن لا يمكن للزواج ولا الحياة الأسرية أو المهنة أو التجارة أن تحُول دون الصلاة التأملية أو النِعَم التصوفية.

v                 التأمل يُنَمى الحُب، والحُب يجعلنا قادرين على حِفظ الوصايا. يمكننا أن نعْبُر بالمحبة إلى حِفظ الوصية، ولكن العكس صعبٌ حدوثه.

v                 لابد أن نؤكد أنه لا التأمل ولا حتى التصوف يُرادفان الكمال المسيحى الذى هو المحبة. ولكن حينما يكون التأمل أعمق ممارسة للحب، فهو حينئذ قمة الكمال. مثل هذا التأمل هو غاية تستحق أن تكرَّس لها حياة كل إنسان.

 

 

5- الأسرار المُقدسة

 

v                 ما تدعوه الكنيسة الأرثوذكسية "أسرارا" (mysteries)، تسَمِّيه الكنيسة الكاثوليكية "مقادسا" (sacraments). والأسرار المقدسة (كطقوس) ليست هى الغاية ولا الجوهر فى الحياة الروحية، ولكنها وسائط للنعمة، فقط وسائط.

v                 الكنيسة الأرثوذكسية تؤمن أن الأسرار ليست مُجرد رموز للأمور الإلهية، ولكن ترتبط الأمور المنظورة والمحسوسة فيها بهبات روحية حقيقية.

v                 فالنِعَم والهبات الموجودة الآن فى هذه الأسرار هى نفس النعم والهبات التى أعطيت سابقا فى العُلية أو فى المياه حيث كان تلاميذ يسوع يُعَمِّدون.

v                 يوجد لكل واحدة من هذه الهبات الإلهية وَجه تصوفى (mystical) ووَجه نسكى(ascetic). فالوجه التصوفى يكمن فى هذه الحقيقة: أن الهبات المعطاة فى الأسرار ليست نتيجة مجهودات بشرية، بل هى عطية إلهية واقعية. بينما يكمن الوجه النسكى فى حقيقة أخرى: أن الأسرار لا تعطى ثمارها فى نفوس البالغين الذين يتلقونها إذا لم يكونوا مستعدين لها ومستسلمين لفاعليتها.

v                 تحتفظ الكنيسة الأرثوذكسية للأسرار بالمعنى الأصلى لإسمها كأمور سرية لا تفحص عقليا، فهى تستر وتغطى ما تكشفه وتعَرِّضه الكنيسة اللاتينية للفحص (مثلا موضوع التحول المادى trans-substantiation or consubstantiation) .

v                 فالكنيسة الأرثوذكسية ليست "سرائرية" فحسب، بل هى أيضا "روحانية"، والأسرار فيها أيضا هى معمولة ومُتقنة بالروح.

v                 هناك من هو "أعظم من الهيكل" (مت 6:12)، وهو أيضا أعظم من الأسرار المقدسة.

v                 وإن كان هذا التعبير أن "الله لا يُقيد بالأسرار" قد نشأ فى الغرب، إلا أنه أيضا يُعَبِّر بمنتهى الدِقة عن الفِكر الشرقى. لكن هذا لا يعنى أنه يمكن للإنسان أن يستخِّف أو يستهين أو يزدرى بوسائط النعمة التى تقدمها له الكنيسة دون أن يُعرِّض نفسه للخطر. إن ما يعنيه هذا الكلام هو أنه لا توجد أية أمور خارجية مهما كانت عظيمة الفائدة ضرورية لله بالمعنَى المطلق للكلمة، ولا توجد أية مؤسسة مهما كانت قداستها لا يستطيع الله أن يعمل بدونها.

v                 الآباء اليونانيون* يُذَكروننا أن حِفظ كلمة الله مُهم تماما كالتقرب من الأسرار المقدسة. فيكتب أوريجانوس (الإسكندرى): "فإن كنت تمارس حذرا هذا مقداره لكى تحافظ على جسد الله (فى التناول)، وهذا حقٌ، فكيف تعتبر أنه خطأ أقل أن تهمل كلمة الله عن أن تهمل جسده". ... ... ... (يتبع)



*- كثيرا ما يعتبر الغربيون الكثير من آباء الإسكندرية يونانيين لأن الإسكندرية كانت حينئذ جزأ من الإمبراطورية الرومانية، وهم فى الحقيقة مصريون.