الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء الخامس والثلاثون

الفصل السادس :مراحل الحياة  الروحية

المرحلة الثالثة: المسيح  فصحنا

 (الجزء الثانى)

2ـ عشاء الحمل (تكملة)

الشركة مع أعضاء  المسيح :

وباشتراكنا مع المسيح  في الافخارستيا فإننا نشترك مع جميع أعضائه كما يقول الرسول بولس " لأننا نحن الكثيرين خبز  واحد  جسد  واحد لأننا جميعًا نشترك في الخبز  الواحد  " (1كو13:10). إن يسوع كشخص، مسيح التاريخ، هو بمعنى من المعاني "sacramentum"  أى علامة  "الجسد  السري" (Mystical Body) والمسيح الكلي الذي يكوّن الحقيقة أو الجوهر ، أى هو الحقيقة الكاملة المطلقة للافخارستيا.         

+ التقدم إلى الأسرار المقدسة (التناول):

إنه أمر معروف جيدًا أن المسيحيين  الأرثوذكس يتقدمون للتناول عدد مرات أقل كثيرًا عن المسيحيين الكاثوليك. ومن الصعب الحصول على فكرة دقيقة عن ممارسة الغالبية العظمى للمسيحيين الشرقيين في عصور القديسين أثناسيوس الرسولي، وباسيليوس الكبير، ويوحنا  ذهبي الفم. ونعرف من القديس باسيليوس أن المؤمنين في القرن الرابع اعتادوا أن يتناولوا أربع مرات في الأسبوع: أيام الأحد، والأربعاء، والجمعة والسبت[1]. وينصحهم القديس باسيليوس بالتناول كل يوم. وفي الأيام التي لم يكن يقام فيها قداس، كان المؤمنون يستطيعون أن يناولوا أنفسهم مباشرةً من الأسرار "المحفوظة" التي كانوا يأخذونها إلى بيوتهم. ومن الجهة الأخرى، يخبرنا القديس يوحنا ذهب  الفم أن كثيرين في أيامه اعتادوا أن يتناولوا مرة واحدة فقط في السنة. وكان القديس يوحنا ذهبي الفم يلومهم على هذا التقصير والإهمال، ويوصيهم أن يتقدموا للتناول كثيرًا. ونعرف عندنا في الكنيسة  القبطية الأرثوذكسية أن خدام وخادمات مدارس الأحد منذ الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين وضعوا نظامًا روحيًا للعاملين في الخدمة  بحيث يكون التقدم للتناول من الأسرار مرة واحدة على الأقل كل شهر (هذا إضافة إلى عناصر أخرى في النظام  الروحي مثل المواظبة  على الصلاة  وقراءة الكتاب  المقدس  يوميًا .. الخ). وقبل جيل الأربعينيات الذي بدأت فيه خدمة  مدارس الأحد بانتشارها في مصر، كان القديس الأنبا ابرآم أسقف الفيوم (المتنيح سنة 1914) ومن بعده الأرشيدياكون حبيب جرجس (المتنيح سنة 1951) وتلاميذه من مؤسسي خدمة مدارس الأحد يحثون على التناول بكثرة، ولا شك أن الاشتراك المتواصل في الافخارستيا يؤدي بالتأكيد إلى علاقة حميمة وقوية جدًا مع ربنا يسوع. وهناك في بعض الكنائس أو بعض الجماعات داخل بعض الكنائس الأرثوذكسية ميل إلى تقليل عدد مرات التناول من الأسرار، بحيث يستعد المؤمن في كل مرة للتناول بتخصيص عدة أيام للصلاة والصوم والخلوة. هذه الطريقة لها فائدة في أنها تهيئ فرصة للإستعداد الجاد، وازدياد التوقير للسر المقدس، إلاّ أنها من ناحية أخرى قد تؤدي إلى تحويل التناول الذي اعتبره التقليد المسيحي الأصيل منذ البداية أنه الراحة  والتعزية المغبوطة لكل يوم من الأيام، نقول تحويل التناول إلى حدث استثنائي نادر الحدوث. كما أن هذه الممارسة للتناول معرضة لخطر أن يصير التناول كأنه نوع من المكافأة بينما هو في الحقيقة دواء وقوة لرحلة الحياة  الروحية أى هو زاد الرحلة. ومع ذلك، فإن اعتبار كثرة التناول المعيار الذي تقاس به درجة اقترابنا الشخصي من المسيح  فهذا مضاد تمامًا للذهن الأرثوذكسي. وكما يقول الأب  ليف جيلليه " فإنه يبدو أن القديس أغسطينوس قد أعطى تقديرًا يتسم بالحكمة والعمق في هذه المسألة، حينما قال إن زكا (لو 5:19) وقائد المائة (مت 8:8) كليهما، قد كرما الرب  بالتساوي بطريقة إلهية عن طريق  تصرفهما المختلف الواحد  عن الآخر، وأنه ينبغي لكل واحد  منا أن يتصرف بحسب ضميره الشخصي.

الكنيسة  الأرثوذكسية وخدمة الافخارستيا:

 هناك حقيقة هامة في ذهن  الكنيسة  قد تبدو غير واضحة لكثيرين فيما يخص الافخارستيا والقداس، وهى أن الرب  يسوع نفسه هو الذي يقدم الافخارستيا فهو الكاهن  غير المنظور  الذي يعمل من خلال الكاهن المنظور الذي يقوم بالخدمة. وهذا يتضح من مقدمة صلاة  القسمة في القداس الغريغوري، إذ يقول الكاهن الخديم مخاطبًا الرب يسوع " يالذي بارك في ذلك الزمان  الآن أيضًا بارك. يالذي قدس في ذلك الزمان الآن أيضًا قدس. يالذي قسّم في ذلك الزمان الآن أيضًا قسّم. يالذي أعطى تلاميذه القديسين في ذلك الزمان، أعطنا وكل شعبك ... ". كما يتضح أيضًا من صلاة القداس الإلهي ليوحنا ذهبي الفم المستعمل بصفة مستمرة في كنائس الروم وكل كنائس الطقس البيزنطي: " أنت نفسك الذي تُقدم (القرابين ) (أى أنت الكاهن الذي تخدم الافخارستيا) وأيضًا أنت التقدمة المقدّمة، أنت نفسك أيها المسيح  إلهنا الذي تقبل القرابين كما أنك أنت الذي تُوزَع (أى تؤكل).

الافخارستيا موت  مع المسيح  واتحاد به:

كل افخارستيا إنما هى بمثابة موت  بالروح ـ طعنة سرية في القلب  ـ جرح في نفوس كل المشتركين في الافخارستيا، وهى اندماج مع المسيح ؛ وكل مؤمن يشترك في الافخارستيا ينبغي أن يتشرب روحيًا بدم ربنا يسوع الحبيب.

الافخارستيا ليست ذبيحة  جديدة. هناك ذبيحة واحدة:

وينبغي أن يكون واضحًا تمامًا أن الافخارستيا المقدسة في المفهوم الأرثوذكسي ليست ذبيحة  أخرى جديدة لربنا يسوع: فالمسيح ذُبح مرة واحدة على الصليب . وكل خدمات الافخارستيا الحالية التي تقدم في الكنائس إنما هى تقدمات، وتحقيق واقعي في الحاضر، وتطبيقات لهذه الذبيحة الإلهية الواحدة (ذبيحة الصليب) التي تكفي الجميع في الماضي والحاضر والمستقبل. فهذه الافخارستيا إنما هى "ذبيحة تسبيح " "ذبيحة روحانية" " ذبيحة ناطقة" (ذبيحة عقلية ـ أى ذبيحة الكلمة  اللوغوس Logical sacrifice). وهذه التقدمات هى "ذبيحة غير دموية". إن ربنا يسوع الحيّ الممجد يحضر حضورًا فعليًا حقيقيًا في الافخارستيا المقدسة، كما أن ذبيحته الواحدة موجودة حقيقةً في الافخارستيا ولكن بصورة روحانية وسرية. كما أن صلوات القداسات الأرثوذكسية توضح تمامًا أن الافخارستيا هى تذكار أو ذكر أو تذكر ليس فقط لموت ربنا يسوع، بل أيضًا تذكار لدفنه، ولقيامته وصعوده بل يُذكر فيها أيضًا ظهوره الثاني الآتي من السموات .

العلاقة بين الافخارستيا وسر الكهنوت :

والطقس الأرثوذكسي لسيامة الكهنة  يظهر بكل وضوح تأسيس رابطة ثابتة وقوية بين الكهنوت  وبين سر  جسد  ودم ربنا يسوع. ففي رسامة الكاهن  الجديد يعلن الكاهن اعترافه بأن الافخارستيا التي اشترك في إقامتها مع الأسقف الذي قام بسيامته هى الجسد  المحيي الذي أخذه المسيح  ابن  الله  وجعله واحدًا مع لاهوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير  وأنه احتمل الآلام واعترف الاعتراف الحسن أمام بيلاطس البنطي .. وهذا الجسد هو الذي يعطى عنا غفرانًا للخطايا وحياة أبدية  لمَن يتناول منه.

يردد الكاهن  الجديد كل الاعتراف الأخير قبل بدء  التناول، يردده ببطء ـ وراء الأسقف الذي قام بسيامته ـ فقرة فقرة، ليعلن بذلك تعهده بحفظ الوديعة إلى النفس  الأخير، أمام الله  وأمام الأسقف وأمام الشعب  المؤمن.

                                                                                                                                                                                 (يتبع(

-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات.

.‏‏Saint Mark's Orthodox Fellowship, PO Box 6192, Columbia, MD, 21045



[1] De fide orthod., 1v, 13.