الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء الرابع والثلاثون

الفصل السادس :مراحل الحياة الروحية

المرحلة الثالثة: المسيح فصحنا

 (الجزء الأول)

مقدمة

كنا قد ذكرنا عندما بدأنا الحديث عن مراحل الحياة الروحية، أن مراحل هذه الحياة مرتبطة في روحانية الكنيسة الأرثوذكسية بالأسرار الثلاثة: المعمودية والمسحة والافخارستيا، وأن بقية الأسرار تدخل في معناها الروحي ضمن أحد هذه الأسرار الثلاثة[1].

ونعيد التذكير هنا قبل الدخول في الحديث عن المرحلة الثالثة. أن هذه المراحل الثلاث مرتبطة بثلاث نِعم:

 1- نعمة المعمودية    2- نعمة مسحة يوم الخمسين       3- النعمة الفصحية (النعمة الافخارستية)، وهى ثلاثة أوجه لنفس النعمة الإلهية الواحدة.

ونذكر أيضًا أن هذه النعم الثلاث تُعبّر عن ثلاث لحظات في حياة المسيح ربنا ومخلّصنا وإلهنا وهى:

    1ـ لحظة نزوله في مياه المعمودية بنهر الأردن.

    2ـ لحظة نزول الروح عليه (ثم إرساله هو للروح القدس).

    3ـ وأخيرًا لحظة تقديم نفسه ذبيحة عن خطايا العالم " حمل الله الذي يرفع خطية العالم " (يو29:1).

إن اختباراتنا الروحية ليست سوى إنعكاسات خافتة وضعيفة لحياته. فالمسيح المُعمِد (وهو المسيح الغافر والشافي)، والمسيح مُرسِل الروح؛ وأخيرًا المسيح الحمل الفصحي أو بالحري، فصحنا الحقيقي، هذه هى أوجه حياة مخلّصنا وإلهنا، وإن إعلان هذه الحياة واختبارها داخليًا، هى التي تكون الحياة الروحية للإنسان المسيحي.

وبعد أن تحدثنا عن المرحلتين الأولى والثانية للحياة الروحية: أى 1ـ المسيح المُعمد والغافر والشافي و 2ـ المسيح مُرسل الروح، نتحدث الآن عن المرحلة الثالثة: المسيح فصحنا

1 ـ الحمل الفصحي

النعمة الافخارستية تُكمل وتُتوج نعمة المعمودية، ونعمة المسحة المقدسة (مسحة الروح). فنحن نعرف أن كل مَن ينال سر المعمودية في الكنيسة يُمسح بعد المعمودية بمسحة الميرون ـ المسحة المقدسة ـ مسحة الروح القدس، وبعد المعمودية والمسحة يعطي له أن ينال سر الافخارستيا. ففي الطقس الأرثوذكسي يلزم أن يُعطى التناول من جسد المسيح ودمه بعد المعمودية والمسحة مباشرة بدون تأجيل إلى عمر معين بالنسبة للذي اعتمد وهو طفل (كما يحدث في الكنيسة الكاثوليكية حاليًا).

ويمكننا أن نطلق على نعمة الافخارستيا، لقب "نعمة الفصح"، أو "النعمة الفصحية"، لأن " فصحنا المسيح قد ذبح لأجلنا " (1كو7:5) كما يقول الرسول بولس.

سر الافخارستيا أو السر الفصحي يعتبر قدس أقداس العبادة المسيحية. ونجد في هذا السر الفصحي الأوجه الأساسية الثلاث أو اللحظات الثلاث للافخارستيا وهى:

                1ـ عشاء الرب و 2ـ الآلام و 3ـ القيامة.

وفي الحقيقة لا يمكن فصل هذه الأوجه الثلاثة عن بعضها وأى فصل بين "العُلية" و"الجُلجثة" و "قبر المسيح" لا يمكن اعتباره سوى تقوى مشوهة غير سليمة. فالأيام الثلاثة المقدسة، الخميس (العشاء) والجمعة (الصليب) والأحد (القيامة) تكون وحدة واحدة لا تقبل الانقسام. فليس هناك سوى فصح واحد للمسيح الواحد.

ويقدم لنا الفن المسيحي في القرون الأولى رسم "السمكة" (اخثيس)، ورسم "الحمامة": السمكة تشير إلى المسيح ابن الله المُخلّص (اخثيس ιχθύς خمسة حروف يونانية: حرف ι (يوتا) أول اسم يسوع باليونانية ايسوس، وحرف χ (خي) أول كلمة خريستوس (المسيح)، وحرف θ (ثيتا) أول كلمة ثيئوس (الله)، وحرف υ (يبسلين) أول كلمة إيوس (أى ابن)، وحرف ς (سيما) أول كلمة سوتير (مخلص)، فيكّون رمز الاخثيس. ومعنى كلمة اخثيس باليونانية هو سمكة. فرمز الاخثيس يعني " يسوع المسيح ابن الله مُخلِّص".

و"الحمامة" ترمز إلى الروح القدس، لأنه حلّ على رأس المسيح عند المعمودية في هيئة حمامة.

وجنبًا إلى جنب مع هذين الرسمين يقدم الفن المسيحي القديم السلّة التي تحوي الخبز (وأحيانًا الخبز والسمك معًا)، ويقدم أيضًا عنقود العنب، كما يقدم أيضًا باهتمام كبير: "الحَمَل".

ونجد في موزاييك من القرن السادس رسم للحَمَل واقفًا فوق عرش عند قاعدة الصليب، وجنب الحمل فيه آثار طعنة، ومن جسم الحمل تتدفق خمسة مجاري من الدم. الراعي يُغذي المسيحيين: وقد رأت الشهيدة القديسة بربتوا Perpetwa (من القرن الثاني) في حلم، الراعي وهو يملأ فمها باللبن. فكل أوجه الفصح نجد إشارات إليها في هذه الرموز الجميلة.

2ـ عشاء الحمل

نقرأ في سفر الرؤيا: " طوبى للمدعويين إلى عشاء عرس الحمل" (رؤ9:19). إن "كسر الخبز" هو محور الأسرار المقدسة أى الافخارستيا. والكنيسة الأرثوذكسية لم تضع نظرية فلسفية محددة لشرح سر الافخارستيا. فسواء استعملت كلمة "تحول" أو "تغيير" من جهة عنصري الخبز والخمر، وأيًا كانت الكلمة التي استعملت للتعبير عن ما يحدث للخبز والخمر في الافخارستيا، فإن الكنيسة الأرثوذكسية لا تنظر إلى الخبز والخمر على أنهما يرمزان إلى جسد المسيح ودمه، بل تؤمن بالحضور الحقيقي للمسيح في الافخارستيا أى تؤمن أنهما جسد ودم المسيح الأقدسين. وكما تقول في الاعتراف الأخير مشيرةً إلى الحمل في الصينية قبل التناول: " هذا هو الجسد المحيي ... الخ ".

ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم المشهور بلقب دكتور (مُعَلم) الافخارستيا doctor Eucharisticus) ) "كثيرون من الناس يقولون اليوم: أرغب أن أرى المسيح نفسه، أرى وجهه، أرى ملامحه، وأرى ثيابه، وحذائه، حسنًا، فأنت تراه، وأنت تلمسه، أنت تأكله .. فهو يعطي نفسه لك"[2].

ومع ذلك فإن الآباء الشرقيين الأرثوذكس، يتجنبون النظرة الحرفية الفجة التي يمكن أن تؤدي إلى نوع من المادية فى الافخارستيا. فقد حذّرَنا آباؤنا من التقوى غير المتكافئة أو المتفاوتة من نحو العمل السرائري أو المواد السرائرية. وقد أدرك هؤلاء الآباء أن الافخارستيا المحسوسة (أى مادتي الخبز والخمر) اللتين تصيران الجسد والدم هى ليست غاية نهائية في ذاتها، بل هى وسيلة إلى حقيقة روحية أعظم من السرائر المقدسة هى شخص الإله المتجسد نفسه. فالقديس كليمنضس الأسكندري يتحدث عن الكلمة المتجسد "كطعام روحي". والقديس باسيليوس الكبير يقول إن المسيحي يأكل جسد المسيح ويشرب دمه حينما يشارك في اللوغوس (اقنوم الكلمة)، وفي مجيئه، وفي تعليمه[3]. والعلاّمة أوريجينوس يكتب أنه يوجد وراء السر، "طريقة أعمق وأكثر إلهية" لفهم الافخارستيا: " فهذا الخبز، الذي يسميه الله الكلمة، جسده، هو الكلمة مُرضِع النفوس ... وهذه (الكأس) التي يسميها الله الكلمة، دمه، هى الكلمة الذي يسقي قلوب البشر ويُسكرهم بطريقة رائعة "[4]. ويكتب أيضًا قائلاً: إن من يتذكر أن المسيح فصحنا قد ذبح لأجلنا وأننا يجب أن نُعَيّد بأكلنا جسد الكلمة، فهذا يحفظ الفصح في كل الأوقات، مجتازًا دائمًا، بالفكر والكلام والأعمال من أمور هذه الحياة إلى الله، ومُسرعًا إلى مدينته[5]. والقديس غريغوريوس النزينزي يقول: "إني سأقدم ذبيحة أفضل من تلك الذبائح التي تقدم الآن، بقدر ما أن الحقيقة هى أفضل من الظل"[6]، وفي موضع آخر يقول إن الظل هو عكس الطعام الحقيقي.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                (يتبع(



1 وهذا الشرح الذي ذكرناه عن مراحل الحياة الروحية مأخوذ من كتاب الروحانية الأرثوذكسية بالإنجليزية Orthodox spirituality (تأليف راهب من الكنيسة الشرقية، "هو الأب ليف جيلليه" نشر بلندن سنة 1945).

2 In Matt. hom. LXXXII, NPN.Fathers, 1st series No 1.

3 Epist. VIII, P.G XXXII, 253.

4 In Matt. LXXXV; PG XIII, 1735.

5 Contra celsum VIII, 22.

6 Orat. 26.16.