الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء الثالث والثلاثون

الفصل الخامس :مراحل الحياة الروحية

المرحلة الثانية: المسيح مُرسل الروح

 (الجزء الثامن)

8 ـ مسيح الروح

كما سبق أن أوضحنا فإن عمل الروح القدس في الحياة المسيحية هو أن يعلن لنا شخص المسيح وأن يجعله حاضرًا بالنسبة لنا. فالروح يكشف أوجه جديدة لشخص المسيح ربنا. فالمسيح كما كشفه الروح القدس بعد يوم الخمسين يختلف عن ما عرفناه عن المسيح قبل ذلك بالمعرفة الطبيعية الجسدية. كما يقول الرسول بولس " وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد، لكننا الآن لا نعرفه بعد" (2كو16:5). أي أن معرفتنا بالمسيح الآن بعد أن تمجد بالقيامة والصعود والوجود في العرش الإلهي في السماء تختلف عن معرفتنا السابقة له حسب الجسد. فالمسيح الآن في مجد إلهي فائق، ويفيض بالجلال والقوة الإلهية ظاهرة بوضوح بعد قيامته. والآن ينمو ويزداد جسده السري ـ أي الكنيسة ـ الآن هو مسيح الروح بعد أن كان قبل القيامة هو العبد المتألم كما تنبأ عنه إشعياء 53 ـ وإن كانت جروح صليبه تظل حقيقية وحية إلى الأبد ـ ورغم إنه يظل هو ذبيحتنا الدائمة أمام الآب، ولا نزال نخلص بجروح صليبه الممجدة. فالمسيح الآن في المجد وهو جالس على العرش ملكًا متوجًا وهو ضابط الكل من العرش، والملائكة تسبحه وتسجد له، ولكنه وهو في هذا المجد، لا يزال يتألم سريًا ـ في أعضاء جسده على الأرض أي آلام المؤمنين، كما قال لشاول عندما ظهر له في طريق دمشق: " شاول شاول لماذا تضطهدني" فهو يقول لشاول إنك تضطهدني" أنا يسوع الذي أنت تضطهده" (أع 4:9، 5) لأن شاول كان يضطهد الكنيسة، أما رأس الجسد الكنيسة، أي المسيح الممجد فهو ينبوع البهاء الذي يفيض بكل نور وقوة على المؤمنين على الأرض.

وكما يقول "راهب من الكنيسة الشرقية" ـ في كتابه "الروحانية الأرثوذكسية" بالإنجليزية "Orthodox spirituality" ـ إنه بالنسبة للذهن الأرثوذكسي فإن "حركة الرجوع إلى يسوع" "Back to Jesus Monvment"، التي تجرد الإنجيل من كل ما يفترضون إنه "إضافات متأخرة"، لا تشكل أي تقدم إلى الأمام. فالتقدم الحقيقي يكمن في أن نصير واعين بعمق أكثر فأكثر، لحضور ربنا يسوع وعمله في كل مراحل الحياة البشرية، وفي حياتنا نحن الخاصة أيضًا. "فإنجيل الجليل" أي ما علّمه المسيح في الجليل، لا يمكن أن يُعزل عن التعليقات التي وضعت عنه بواسطة شهود العيان الذين كانوا معاينين وخدامًا لكلماته (انظر لو2:1). وقد أوضح علم النقد الحديث بكل جلاء، أن العظة على الجبل ـ لو أُخذت بمفردها ـ لا تزودنا بتفسير كافي لقيام المسيحية بقوة وإنتشارها السريع. فالمحور الحي والمحيي والمحرك للفكر المسيحي والتقوى المسيحية لم يكن عبارة عن مجموعة تعاليم أخلاقية، تربط بين الفرد وبين خالقه وأبيه (كما يرى هارناك، وتولستوي)، كما إنه لم يكن مجرد إنتظار وتوقع لمجيء نهاية العالم بسرعة ( كما يرى شيفتزر).

فالمسيحية ـ كما يقول صاحب كتاب الروحانية الأرثوذكسية المذكور أعلاه ـ كانت تيارًا من الحياة الروحانية المليئة بالمواهب تتدفق كسيل جارف وبقوة فائقة من فلسطين على العالم اليوناني الروماني في ذلك العصر. لقد كانت المسيحية نبعًا جديدًا فياضًا للروح القدس. ونتيجة الإيمان بالمسيح المقام والممجّد ـ بل بالأحرى نتيجة إختيار ومعرفة المسيح المقام والممُجد، وظهور مجده العظيم نشأ ونما كل الإزدهار والفيض الرائع من الصلوات والإيمان والتعبد، فيض النعمة والتضحية بالذات، الذي نطلق عليه عادة اسم الكنيسة المقدسة الجامعة. فاسم "المسيح" على شفاهنا لم يعد معادلاً بالضبط لاسم "يسوع" أو اللقب اليهودي "الماسيا". فحينما ننطق ونقول: "المسيح"، نحن نفكر ونتصور "مسيح يوم الخمسين" أو الرب الروحاني للحياة الجديدة. إن مصدر المسيحية هو "المسيح الروحاني"، وليس مجرد "مسيح التاريخ".

ويضيف إن اعتراف الإيمان عند الجيل المسيحي الأول كان هو : "يسوع هو الرب" "Kyrios Christos" (انظر 1كو ٣:١٢، وأيضًا فى ١١:٢). وفي نفس الجيل الأول كتب الرسول بولس بالروح: "الرب هو الروح" "Kyrios to Pneuma" (2كو ١٧:٣). هذا التساوي العجيب الرائع يعبر عن حقيقة أن الروح القدس الذي يحيا في الكنيسة هو واحد مع يسوع التاريخ (Historical Jesus)، وإنه هو حقًا "روح يسوع" (كما إنه في نفس الوقت هو روح الآب)، ويتبقى علينا مسئولية أن نعرف ونعترف بوضوح أكثر أن الروح أو ـ إذا كنا نفضل تعبير "المسيح الروحاني" (وبهذه العبارة نحن لا نقصد أن نقلّل بأي طريقة من أقنوم الروح القدس المتميز)، نعم ندرك ونعترف بأن الروح هو القوة الخلاقة الأصيلة في حياة الناس اليوم. فليس بولس الرسول فقط بل الرسول يوحنا في سفر الرؤيا، ومعلمو مدرسة الإسكندرية، والشهداء مثل أغناطيوس الأنطاكي، والشهيدة فيليسيتاس، وبرايتوا وكثيرين غيرهم قد شهدوا ـ كسحابة شهود ـ للمسيح الروحاني، شهدوا للحضور الفياض بقوة الروح، حضور الرب يسوع الممجد المنتصر، وعلى إنه هو الحقيقة العظمى وراء كل حركة الإيمان المسيحي الأول.

ويتساءل صاحب كتاب "الروحانية الأرثوذكسية": هل نحن نؤمن بحقيقة "مسيح الروح" بنفس القوة التي كانت لهؤلاء جميعًا. لقد كان الخطر بالنسبة للمسيحيين الأُول هو أن يحصروا أنفسهم في مجرد تذكر يسوع التاريخ بالعبادة، وبذلك يكون إدراكهم لحقيقة "مسيح يوم الخمسين" إدراكًا ضئيلاً غامضًا. أما الخطر بالنسبة لنا الآن، فهو أن نحصر "مسيح الخمسين" ونغلق عليه ونحدد عمله داخل أزمنه العصر الرسولي، وما بعد الرسولي مباشرة، وهكذا نعجز ونفشل في أن ندرك إنه حاضر الآن تمامًا كما كان حاضرًا في ذلك العصر. فأشخاص مثل أغناطيوس أو هرماس كان يمكن أن يعترفوا أن كلمة من كلمات يسوع غير المدونة في الأناجيل بل أتت "بواسطة الروح"، لها نفس السلطان والأصالة والصدق (وإن كان بطريقة أخرى) مثل كلمة من الكلمات التي نطق الرب في كفر ناحوم أو أورشليم. ونحن ـ في عصرنا ـ ينبغي أن نضع في اعتبارنا إمكانية حدوث اتصال مباشر مع الرب المقام بنا، وينبغي أن نلتفت إلى هذا الأمر بصورة أكثر إهتمامًا وجدية، وأن نصير أكثر وعيًا وبصورة حية قوية لحقيقة حضوره، وأن حضوره مستمر وأكيد ودائم معنا. ولذلك ينبغي أن نفتح عيوننا وآذاننا الداخلية لرؤية وسماع أعمال وكلمات "المسيح الروحاني". مسيح الروح ليس موضوعًا نظريًا للبحث العقلي، والحديث العلمي، وليس مجرد رمز لتأثير ما زال متبقيًا من فعل قديم، بل هو حي إلى الأبد، وهو حاضر معنا دائمًا وإلى الأبد.

فحينما نقترب من مسيح الروح، نحن نتحقق أفضل تحقق من "بنوة" يسوع للآب. فبينما كان يسوع يعتمد في الأردن، " نزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية وكان صوت من السماء قائلاً : أنت ابني الحبيب بك سُررت " (لو22:3). " فحينما نرى الحمامة على المسيح، ونسمع الصوت من السماء؛ فعندئذ نبدأ أن نفهم أن حياة المسيح الحقيقية هي مستترة في الآب، وأن حياة الرب هذه مع الآب هي أعظم جدًا بما لا يقاس من حياته معنا، وأن النفس لا تصل إلى ذروة الحياة المسيحية، إلاّ عندما تتحرر من إنهماكها وإنشغالها بذاتها، وعندئذ تدخل بالنعمة إلى العلاقة الحميمة التي بين الآب والابن. فنحن نتعَّلم أن نعرف الآب بالابن، الآب الذي ربما كان بعيدًا عن شعورنا وغامضًا علينا قبل ذلك.

وعندما نتعلم ـ بقدر ما يستطيع ضعفنا ـ أن نشارك الرب يسوع في حبه وتكريس ذاته للآب عندئذٍ نصير ـ بمعنى جديد وإحساس جديد ـ أبناء الآب. كل هذا يحدث ويتم بتأثير وفاعلية الروح القدس، فهو روح المحبة بين الآب والابن كما قال المسيح في صلاته للآب؛  " وعرفتهم اسمك وسأعرفهم ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به وأكون أنا فيهم " (يو26:17). وكما يخبرنا الروح على لسان الرسول بولس: " أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبّا الآب. الروح نفسه يشهد لأرواحنا إننا أولاد الله " (رو15:8، 16)، وأيضًا: " وبما إنكم أبناء، أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبّا الآب " (غلا6:4). 

                                                                     (يتبع: بهذا الجزء يتم الفصل الخامس ويتبقى الفصل السادس والأخير)

---------------------------

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات.

.‏‏Saint Mark's Orthodox Fellowship, PO Box 6192, Columbia, MD, 21045