الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء الثانى والثلاثون

الفصل الخامس :مراحل الحياة الروحية

المرحلة الثانية: المسيح مُرسل الروح

 (الجزء السابع)

7 ـ الروح القدس والصلاة (جزء ثانى)

طلب الروح القدس بالصلاة:

فالكنيسة تعلّمنا أن نصلي طالبين تجديد الروح القدس في أحشائنا، هذا الروح نفسه الذي كنا قد نلناه بالمعمودية والمسحة المقدسة. والصلاة لطلب تجديد الروح القدس في داخلنا لا تعني أننا لم نأخذ موهبة الروح القدس عندما اعتمدنا أطفالاً ومسحنا بمسحة الميرون، بل بالعكس فإن مَن ليس له عطية الروح قبل أن يطلب تجديد الروح في داخله لا يمكنه أن يطلب هذا الطلب في الصلاة، فهذه الطلبة لا يستطيع أن يطلبها إلاّ أولاد الله الذين ولدوا بالروح القدس من الله أى وُلِدوا من الماء والروح، كما يقول رب المجد نفسه إنه أعطى سلطانًا للذين قبلوه أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنون باسمه (انظر يو12:1). فالصلاة هى تعبير عن العطش الروحي إلى الله. وهذا العطش يرويه المسيح له المجد لمن يقبل إليه ويشرب، حسب قوله " إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب، مَن آمن بي تجري من بطنه أنهار ماء حيّ، قال هذا عن الروح القدس الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه " (يو37:7ـ39).

و" أنهار الماء الحيّ " هى أنهار الروح القدس التي يسكبها الرب يسوع الممجد منذ صعوده، يسكبها على قلوبنا. وهذا يشرحه لنا القديس أثناسيوس الرسولي عندما يقول [حينما نعطش إليه فهو يشبعنا إذ هو الذي وقف في اليوم الأخير من العيد وصرخ " إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب ". لأن هذا هو الحب الذي للقديسين في كل حين، إنهم لا يكّفون عن تقديم ذبيحتهم الدائمة التي يقدمونها للرب بلا انقطاع، ويعطشون دائمًا ويطلبون منه أن يشربوا .. والرسول بولس يوصينا " اشكروا كل حين صلوا بلا انقطاع ". فأولئك الذين ينشغلون بالصلاة فإنهم ينتظرون الرب دائمًا ويقولون:  " فلنتتبع لنعرف الرب، سنجده مستعدًا كالصبح، وسيأتي إلينا كالمطر المبكر، كمطر متأخر يسقي الأرض " (هو3:6)، فهو يشبعهم ليس فقط في الصباح ويعطيهم ليس فقط أن يشربوا كلما يسألون، ولكنه يعطيهم بوفرة وسخاء حسب كثرة محبته، مانحًا لهم نعمة الروح في كل حين. ويوضح ما يعطشون إليه بقوله على الفور " مَن آمن بي" لأنه " كالمياه الباردة لنفس عطشانة" بحسب الأمثال (25:25)، وهكذا فإن مجيء الروح لأولئك الذين يؤمنون بالرب هو أفضل من كل انتعاش وابتهاج] 1.

والآباء النساك يعطون أهمية كبيرة للصلاة لأجل قبول أو نوال الروح القدس. فالقديس أنطونيوس الكبير يقول لأولاده: [وهذا الروح الناري العظيم الذي قبلته أنا اقبلوه أنتم أيضًا، وإذا أردتم أن تنالوه ويسكن فيكم فقدموا أولاً أتعاب الجسد وتواضع القلب، وارفعوا أفكاركم إلى السماء ليلاً ونهارًا، واطلبوا بكل قلبكم هذا الروح الناري القدوس وحينئذٍ يعطى لكم]2.

والقديس مقاريوس يحثنا على [المواظبة على الصلاة إلى الله وأن تكون صلاتنا بإيمان وبرجاء ومحبة، صلاة بلا انقطاع وبانتظار وثبات، وذلك لكي يُرسِل الله روحه إلى قلوبنا ... ولكي نمتلئ بالروح القدس لكي يمكننا أن نثمر ثمار الروح]3.  ويقول أيضًا مؤكدًا على طلب الروح القدس بالصلاة ومبيّنًا قوة فعل الروح في حياتنا الروحية: [ينبغي لنا أن نطلب من الله باجتهاد قلب وإيمان، حتى يهبنا أن نجد في قلوبنا هذا الغنى، أى كنز المسيح الحقيقي بقوة الروح القدس وفاعليته]4. [فلنتوسل إلى الله بإيمان ومحبة والرجاء الكثير لكي يمنحنا النعمة السماوية، نعمة الروح، لكي ما يحكمنا ويضبطنا ذلك الروح نفسه أيضًا، ويقودنا إلى كل إرادة الله وينعشنا ويحيينا بكل أنواع إنعاشه وإحيائه لكي بواسطة عمل الروح هذا وفاعلية النعمة، والثمر الروحاني نتقدم، لنحسب أهلاً لإدراك كمال ملء المسيح كما يقول الرسول لتمتلئوا بكل ملء المسيح (أف19:3)، وأيضًا يقول " إلى أن ننتهي جميعنا إلى إنسان كامل إلى قياس قامة ملء المسيح " (أف13:4). ولقد وعد الرب كل الذين يؤمنون به ويسألونه بالحق أن يعطيهم أسرار شركة الروح الذي لا ينطق به]5.

الصلاة في الروح القدس: 

إن كانت الصلوات الموجهة إلى الروح القدس في الكنيسة الأرثوذكسية قليلة، وكذلك الصلوات لطلب حلول الروح القدس، لكن يمكننا أن نمارس ما أوصانا به القديس يهوذا في رسالته بقوله: " أيها الأحباء إبنوا أنفسكم على إيمانكم الأقدس مصلين في الروح القدس " (يهوذا20:1). وبهذا تكون الصلاة في الروح القدس واجبًا ضروريًا لكي نبني أنفسنا على الإيمان الأقدس. فما هو معنى أن نصلي في الروح القدس؟

هذا يعني إما أن تكون كلمات الصلاة ومقاصد الصلاة ليست كلماتنا نحن ولا مقاصدنا نحن، بل تكون معطاة لنا من الروح القدس في داخلنا. أي أن الروح القدس هو المحرك الداخلي للصلاة في أعماق قلوبنا، فعندما نقصد أن نصلي سواء باتجاه الفكر والنية أو بكلمات معينة للتعبير عن أفكار أو طلبات، فإننا عندئذ نتحد مع حركة روح الصلاة ـ الروح القدس في داخلنا، فتكون صلاتنا بالروح أو في الروح القدس، أي إننا ندخل بقلوبنا داخل الروح القدس، ويكون الروح القدس محيطًا بنا مظللاً لنا ومحاصرًا لنا بالحب وحافظًا وحاميًا لنا، أي أن الروح القدس يكون هو المُصلي الحقيقي ونحن نندمج فيه، وهكذا بفعل الروح نصلي صلاة حقيقية قوية من أعماق قلوبنا.

ويقول القديس مقاريوس الكبير عن الصلاة والروح القدس: "وليغصب (المسيحي) نفسه إلى الصلاة حينما لا تكون له الصلاة الروحانية وهكذا إذ يراه الله مجاهدًا وغاصبًا لنفسه ... فإنه يهب له صلاة الروح الحقيقية ..."6 "والروح القدس نفسه يمنحه التواضع والمحبة والوداعة، ويعلّمه الصلاة الحقيقية ...، لذلك فلنغصب نفوسنا. مصلين ومتوسلين إلى الله ... بلا انقطاع، وبانتظار وثبات أن يرسل روحه إلى قلوبنا، حتى نصلي ونسجد لله بالروح والحق (يو24:4). ولكيما يصلي الروح نفسه فينا، لكيما يعلمنا الروح بنفسه تلك الصلاة الحقيقية. التي لم نكن قد حصلنا عليها حتى الآن."7

والمعنى الآخر للصلاة في الروح القدس، هي أن نكون في حالة "هدوء صلواتي" أي صلاة بدون صوت، تكون فيه النفس في حالة إتحاد مع الصلاة الخفية غير المدركة، الصلاة المستمرة بلا توقف التي يحركها الروح القدس داخل النفس. ونعرف من الذين مارسوا تدريب "صلاة يسوع" أو "مناداة اسم الرب يسوع" أنهم يختبرون نوعًا من الهدوء الداخلي العجيب، أو ما يسمونه "الحضور الكامن لاسم يسوع القدوس" في النفس؛ هذه الحالة من "الصلاة الباطنية" تعني أن الروح القدس قد صار هو المُصلي الوحيد والحقيقي داخل نفوسنا وقد يكون هذا هو ما يعنيه الرسول بولس عندما يقول " الروح يعين ضعفاتنا: لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي، ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا يُنطق بها....لأنه بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين" (انظر رو26:8، 27).

ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم عن هذه الشفاعة ما يلي: [لنفس التي تنال موهبة الصلاة، تتشفع إلى الله وتئن. لأن ذلك الذي حُسب أهلاً لنعمة مثل هذه، يقف أمام الله بضمير متألم يئن كثيرًا، وبأنات عقلية كثيرة (أي بدون نطق)، ويسقط أمام الله، ويطلب منه الأمور النافعة للجميع ... وذلك لكي نتعلم أن نصلي لأجل الأمور الواجبة، ونطلب من الله ما يوافق مشيئته ... وهكذا فهذا كله لكي يفرّح الذين يلجأون إليه، ويعطيهم تعليمًا ممتازًا. فالذي هيئ المواهب، وأعطى بركات أخرى بلا عدد هو الروح المعزي، كما يقول الرسول "هذه كلها يعلمها الروح الواحد بعينه" (1كو11:12)8].                                                                                                                                                                                                    (يتبع)



1  القديس أثناسيوس، الرسالة الفصحية رقم (20) N.& P.N. Fathers Vol. IV, P. 548.

2  رسائل القديس انطونيوس، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الرسالة الثانية ص 67، 68. القاهرة سنة 2004م.

3  عظات القديس مقاريوس الكبير، عظة 19 طبعة رابعة ص196، 201.

4  المرجع السابق عظة 18، ص192.

5  المرجع السابق عظة 18، ص195.

6  عظات القديس مقاريوس الكبير، ترجمة  د. نصحي عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، العظة التاسعة عشر ص198، الطبعة الرابعة 2005، القاهرة.

 7 المرجع السابق، عظة 19، ص201، 202.

8 - Homilies on Romans of St. John Chrysostom, Hom. XIV, N&PN. Fathers 1st series Vol. XI, P.447.