الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء الواحد والثلاثون

الفصل الخامس :مراحل الحياة  الروحية

المرحلة الثانية: المسيح مُرسل الروح

 (الجزء السادس)

6 ـ يوم الخمسين والاستنارة (جزء ثانى)

الروح القدس  وفهم الكتاب  المقدس :

    وخلال هذه المرحلة ـ مرحلة النعمة  الخمسينية، يفتح الروح القدس  أذهاننا لفهم الكتب المقدسة ، والنصوص الصعبة الفهم  لا تستمر صعبة ... فلا تعود هناك مشكلة إن كانت الأساطير البابلية موجودة في سفر التكوين، أو إن كان سفر نشيد الأنشاد هو أشعار عُرسية أو عشقية، بل ما يهم هو ما أرشد الروح القدس النفس  أن تقرأه في النصوص المقدسة، والتفسير الذي يعطيه الروح لهذه النصوص في داخل قلوبنا. إذ تنشأ علاقة جديدة شخصية وحيوية جدًا بين الكتاب  المقدس  ونفوسنا. ومن تحت غطاء الحرف الذي يربك ويشغل المؤرخين وعلماء اللغات يكشف لنا الروح القدس كلمة  خفية ـ مثل العلامة المائية على الورق ـ تخبرنا عن الابن  الحبيب. هذا ما فعله الرب  يسوع مع تلميذي عمواس عندما فسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب " (لو27:24). ونفس هذا الاختبار يمكن أن يكون من نصيبنا، إذ يمكن أن يعطي لنا نحن أيضًا أن نقول: " ألم  يكن قلبنا ملتهبًا فينا إذ كان يكلمنا في الطريق  ويوضح لنا الكتب" (لو32:24).

      وإذ تستنير النفس  بنعمة الروح القدس  فإنها تحيا تحت إرشاده بصفة عادية تقريبًا. فتنال النفس معونة الروح في قراراتها العملية واليومية، إذ يجري الحديث بينها وبين ربها " إذ كان يكلمنا في الطريق " (لو32:24). وهى تقول مع صموئيل، " تكلم يا رب  فإن عبدك سامع" (1صم9:3). وتتحقق كلمات الأنبياء  بالنسبة للنفس المستنيرة: "بعد تلك الأيام يقول الرب  أجعل شريعتي في داخلهم واكتبها في قلوبهم ... ولا يعّلمون بعد كل واحد  صاحبهُ وكل واحد أخاه قائلين اعرفوا الرب لأنهم كلهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم" (إر33:31ـ34). وأيضًا: " وأعطيكم قلبًا جديدًا وأجعل روحًا جديدة في داخلكم، وأنزع قلب  الحجر من لحمكم وأعطيكم قلب لحم، وأجعل روحي في داخلكم .. " (حز26:36ـ27).

وقد نسأل هنا كيف نتجنب خطر الانخداع بأفكارنا الكامنة في اللاشعور، ظانين أنها صوت الرب ؟ الجواب الحاسم هنا هو أن الشجرة  تُعرف من ثمارها، كما قال الرب " كل شجرة جيدة تصنع أثمارًا جيدة وأما الشجرة الردية فتصنع أثمارًا ردية" (انظر مت16:7ـ18).

فإما أثمار الأنانية والمرارة، أو أثمار المحبة  والفرح، وهذه الأنواع من الثمار  تكشف عن الأصل الذي جاءت منه. إضافة إلى ذلك، فإن أى شخص له خبرة أصيلة حقيقية بالحديث مع الله ، يعرف أن ربنا يسوع حينما يتكلم، له ـ إن كان يمكن أن يقول ـ أسلوبه الخاص به، والذي لا يمكن الخلط بينه وبين أى أسلوب آخر. وأخيرًا فإنه يمكننا بل ومن الواجب أن نلجأ للحصول على مشورة روحية ذات كفاءة عالية، وذلك بأن نفحص "الإرشاد" الخاص الذي نلناه في داخلنا في ضوء فكر الكنيسة  وتقليدها الحيّ. فالتقليد هو كنز مقدس في نظر الكنيسة الأرثوذكسية ولا يجب الخلط بين التقليد الأصيل وبين الخرافة أو بين التقليد والروتين. فالتقليد هو خط متواصل مستمر من الفكر والصلاة، وهو طريق  الرسل والقديسين، وهو طريق لا يمكن أن ننحرف عنه دون أن نتعرض للخطر. والتقليد لا يشكل قانونًا خارجيًا علينا أن نخضع له بطريقة ميكانيكية، بل هو تراث حيّ ينبغي أن نقبله بحرية كاملة، وينبغي أن نهضمه ويدخل في صميم حياتنا، وأن ننقله إلى غيرنا بأمانة وإخلاص. التقليد و"الإرشاد" الشخصي يكمل أحدهما الآخر. وقد عبّر القديس بولس الرسول عن ذلك بطريقة بديعة عندما قال: " احفظ الوديعة الصالحة (أى التي أُودعت عندك) بالروح القدس الساكن فينا" (2تي14:1). فالتقليد هو محك الاختبار لاختباراتنا من جهة الإرشاد الذي نناله في داخلنا، والتقليد يساعدنا على تفسير هذه الاختبارات بطريقة صحيحة مستقيمة. ومن الجهة الأخرى، فإن كل "اختبار إرشادي" مهما كان يبدو بسيطًا، يثري تقليد الكنيسة ويعمقه ويجعله أكثر دقة في الفهم  والتطبيق.

الاستنارة والأب الروحي:

خلال مرحلة الاستنارة، فإن المسيحي يحصل على منفعة كبيرة جدًا عن طريق  توجيه الضمير  والأفكار بواسطة أب روحي فطن وحكيم. ومهمة الآب  ينبغي أن تظل مرتبطة بتوجيه النفس  إلى المسيح  لكي ترتبط به ارتباطًا وثيقًا ولا تعتمد على الآب الروحي بروح التكاسل عن الجهاد  الشخصي في الصلاة  لنوال الاستنارة الداخلية من الرب  نفسه. فالنفس يجب أن تتجاوز كل الأعوان البشريين وتمضي مباشرة إلى "النور " الذي في الداخل والمعلّم الذي بالداخل. فالإنصات إلى صوت المسيح داخل النفس والحديث معه كثيرًا، هو في غاية الأهمية. وينبغي أن يأتي وقت حينما تستطيع النفس أن تردد كلمات السامريين في مدينة سوخار: " أننا لسنا بعد بسبب كلامك نؤمن. لأننا نحن قد سمعنا" (يو42:4).

7 ـ الروح القدس  والصلاة (جزء أول)

الصلاة  إلى الروح القدس :

قليلة هى الصلوات التي توجه مباشرةً للروح القدس. ففي صلوات الليتورجيات (القداسات) المستعملة منذ القرون الأولى في كل الكنائس نجد أن الصلاة  توجه إما لله الآب  في أغلب القداسات، وإما للإبن الوحيد ربنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح ، في بعضها، ولكننا لا نجد بين القداسات القديمة ـ على قدر ما نعرف ـ قدّاسًا توجه فيه الصلاة لأقنوم الروح القدس . أما التعبير الرئيسي عن التقوى  الأرثوذكسية نحو الروح القدس فنجده في صلوات عيد  العنصرة بقسميه: النهاري في قداس أحد عيد حلول الروح القدس صباح يوم الخمسين، والمسائي في صلوات السجدة الثلاث عصر يوم العنصرة.

ولكن توجد صلاة  صغيرة موجهة للروح القدس في صلاة الساعة الثالثة (9 صباحًا) وهى [ أيها الملك  السمائي المعزي  روح  الحق ، الحاضر في كل مكان والمالئ الكل، كنز الصالحات ومعطي الحياة ، هلم تفضل وحل فينا، وطهرنا من كل دنس  وخلّصنا ونج نفوسنا ]. وهذه الصلاة  نصليها بمناسبة حلول الروح القدس  في الساعة الثالثة على الكنيسة  المجتمعة في العلية باسم المسيح  في انتظار  وعد  المسيح للتلاميذ بإرسال الروح القدس.

وهذه الصلاة  الصغيرة الموجهة للروح القدس، نخاطبه بها أيضًا في صلاة  نصف الليل ، فنتوسل إلى الروح القدس  المعزي  الملك  السمائي روح  الحق  أن يحل فينا ويطهرنا من كل الأدناس ويخلّص نفوسنا. ونكرر هذا التوسل إلى الروح القدس  في الخدمات الثلاثة لصلاة نصف الليل  ونفس هذه الصلاة  الموجهة للروح القدس تستخدمها كنيسة  الروم الأرثوذكس لتفتتح بها معظم الصلوات الليتورجية في الكنيسة  وليس في صلاة  السواعي فقط.

وتوجد صلاة  أخرى ليست موجهة إلى الروح القدس  ولكننا نطلب فيها من مخلّصنا الحبيب وإلهنا يسوع المسيح  أن يجدد الروح القدس في أحشائنا. وهذه الصلاة  أيضًا نصليها في الساعة الثالثة من النهار (9صباحًا) وتصليها الكنيسة  في عيد  حلول الروح القدس ـ يوم العنصرة (عيد الخمسين). فيقول الكاهن  (أو المصلي في صلاة  الأجبية): [ روحك القدوس يا رب  الذي أرسلته على تلاميذك القديسين ورسلك المكرمين في الساعة الثالثة، هذا لا تنزعه منا أيها الصالح لكن جدده في أحشائنا، قلبًا نقيًا اخلق فيّ يا الله  وروحًا مستقيمًا جدده في داخلي ].

وهذا الارتباط بين الروح القدس  والصلاة ينبهنا إلى أهمية عمل  الروح القدس في الروحانية  الأرثوذكسية.                 (يتبع)

                                                -----------------                                                   

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات.