الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء الثلاثون

الفصل الخامس :مراحل الحياة الروحية

المرحلة الثانية: المسيح مُرسل الروح

 (الجزء الخامس)

5 ـ الحياة (الخاريزمية) بمواهب الروح

(تكملة ما سبق نشره)

وفى الواقع إن ما يجعل المسيحيين المعاصرين يعتبرون أن مواهب الروح القدس حالات استثنائية هو نقص إيمانهم. فإن كانت هذه المواهب نادرة الحدوث، فبسبب نقص الإيمان الذى يشبه ذلك النقص فى الإيمان الذى أعاق الرب يسوع عن أن يصنع معجزات فى الناصرة كما يقول الإنجيل: " ولم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم إيمانهم" (مت58:13). إن الروح القدس لا يزال قادرًا أن يعمل بقوته اليوم كما كان فى أيام سفر أعمال الرسل. إن الأعمال الفائقة المقتدرة التى تمت باسم الرب يسوع بقوة الروح القدس، يمكن أن تُتمم الآن إن كان لنا إيمان حقًا. كما قال الإنجيل: " هذه الآيات تتبع المؤمنين، يخرجون شياطين باسمى، ويتكلمون بألسنة جديدة... ويضعون أيدهم على المرضى فيبرأون" (مر17:16و18). وكما وعد الرب: " الحق الحق أقول لكم: من يؤمن بى فالأعمال التى أنا أعملها يعملها هو ويعمل أعظم منها لأنى ماضٍ إلى أبى ومهما سألتم باسمى فذلك أفعله.." (يو12:14و13).

ورغم أن الأسباب والنتائج والظواهر "العادية" الطبيعية، يمكن أن تكون أداة يستخدمها الروح، لكننا لا يجب أن نتحاشى الاعتراف بالتدخلات الإلهية المباشرة التى تكسر ما يسمى بالقوانين الطبيعية. لأن شبكة القوانين الطبيعية والحتميات التى يبدو أنها تنتج عنها (مثل ما يحدث فى الكوارث والأمراض وغيرها) تظهر التشوه الذى حدث لنظام الخليقة الأصلى وهو ما نتج من الخطية الأصلية، هذه هى عبودية الفساد التى تجعل " الخليقة كلها تئن وتتمخض معًا إلى الآن" (رو22:8).

القديسون وحاملو الروح هم محررو العالم. فالمعجزات هى عودة الحالة الأولى الحرة للخليقة، أى حالة عالم شفاف تمامًا لنفاذ مجد الله فيه، فهى تعبر عن الحالة السامية الطبيعية للخليقة قبل السقوط، وتعبر عنها بالأكثر بعد يوم الخمسين.

والكنيسة الشرقية، من ناحية، تأخذ حذرها مما تسميه "أوهام" أو "خداعات"، ولكن من ناحية أخرى فإن النُساك الشرقيين، وخاصة الذين يمارسون حياة العبادة فى السكون، هؤلاء يتوقعون ويطلبون نعم غير عادية من الله.

    الكنيسة الأرثوذكسية تميل إلى اعتبار المواهب أنها الهدف الطبيعى للحياة الروحية التى بدأت بالمسح بالميرون. والكنيسة الأرثوذكسية ـ تنصت بطريقة واقعية لنصيحة الرسول بولس " جدوا للمواهب الحسنى" (1كو31:12)، وهى تردد صلاة التلاميذ " امنح عبيدك أن يتكلموا بكلامك بكل مجاهرة بمد يدك للشفاء ولتجر آيات وعجائب باسم فتاك القدوس يسوع" (أع29:4و30). ولكن فى نفس الوقت فإن الكنيسة الأرثوذكسية ترفض اعتبار المواهب الروحية غاية فى ذاتها. وكما يقول القديس يوحنا ذهبى الفم "المواهب معونات". وفوق المواهب لا يزال هناك "طريق أفضل" (1كو31:12)، الذى يعلن عنه الرسول بولس قبل ان يبدأ ترنيمته عن المحبة (فى ص13). وراء كل المواهب، يوجد الروح الذى هو نفسه يسمى "العطية" أو "الموهبة".

 

6 ـ يوم الخمسين والاستنارة (جزء أول)

سبق أن ذكرنا عند الحديث عن مرحلة نعمة المعمودية التي هى المرحلة الأولى للحياة الروحية ـ أن النعمة المرتبطة بالمعمودية توازي ما اصطلح على تسميته بطريق التطهير أو حياة التطهير. وهذه المرحلة الأولى تحدثنا عنها بالتفصيل تحت عنوان المسيح المُعمد أو المسيح الغافر والشافي والمخلّص والمطهر.

    أما المرحلة الثانية، مرحلة نعمة يوم الخمسين التي نتحدث عنها الآن تحت عنوان المسيح مُرسل الروح، فهى توازي ما يسمى بحياة الاستنارة، بإنارة الروح القدس للنفس، وهى ترتبط بسر المسحة كما ذكرنا قبل ذلك.

في هذه المرحلة تصير الحياة الروحية أقل تأثرًا بالنواحي الذاتية والانفعالات العاطفية عن المرحلة السابقة لكنها لا تتلاشى كلية. وهكذا ـ فإن الشكوك والصعوبات والشطحات العاطفية لا تكون هى البارزة في حياتنا الروحية. فبدلاً من السؤال القلق المدفوع بالحب:   " هل رأيتم من تحبه نفسي " (نش3:3)، يحل مكانه شعور بالامتلاك الهادئ: " وجدت مَن تحبه نفسي فأمسكته ولم أدعه يمضي عني " (انظر نش4:3).

في هذه المرحلة نفتح نفوسنا "لكلمة الله" الحيّ ونفتحها لعملية استنارة بفعل "النور" الذي ينير الداخل، النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان (انظر يو9:1). وهكذا يمكن أن نصير مثل مريم التي جلست عند قدمي يسوع وكانت تسمع كلامه (لو39:10). فكما أن نعمة المعمودية قد سبقت وأدخلتنا في المسيح بواسطة الماء، فإن نعمة يوم الخمسين تدخلنا فيه الآن بالنور والنار.

وبفاعلية الروح القدس، تقتني النفس فهمًا عميقًا وقويًا، تقتني معرفة داخلية عن اختبار للأمور الإلهية. هذه المعرفة الداخلية هى "الحكمة". وهى عكس الغباء الحيواني الذي ينتج عن عدم الطهارة. وتصير النفس "نفس تعرف الإلهيات". هذا التعبير العميق (theologos psyche) "نفس الإلهيات" نحته القديس ديودوخوس الفوتيكي وهو يقصد بكلمة معرفة الإلهيات، الاستنارة الإلهية ـ ليس الكلام البشري عن الله، بل كلمة الله في داخلنا.

تمييز الأرواح:

بعد ذلك تُمنح النفس نعمة تمييز الأرواح أو معرفة الأمور الخفية (أو معرفة القلب). ويعطي القديس أنطونيوس ويوحنا كاسيان أهمية عظمى لتمييز الأرواح أو الإفراز ـ فوق كل الفضائل.

الروح القدس وفهم الكتاب المقدس:

    وخلال هذه المرحلة ـ مرحلة النعمة الخمسينية، يفتح الروح القدس أذهاننا لفهم الكتب المقدسة، والنصوص الصعبة الفهم لا تستمر صعبة ... فلا تعود هناك مشكلة إن كانت الأساطير البابلية موجودة في سفر التكوين، أو إن كان سفر نشيد الأنشاد هو أشعار عُرسية أو عشقية، بل ما يهم هو ما أرشد الروح القدس النفس أن تقرأه في النصوص المقدسة، والتفسير الذي يعطيه الروح لهذه النصوص في داخل قلوبنا. إذ تنشأ علاقة جديدة شخصية وحيوية جدًا بين الكتاب المقدس ونفوسنا. ومن تحت غطاء الحرف الذي يربك ويشغل المؤرخين وعلماء اللغات يكشف لنا الروح القدس كلمة خفية ـ مثل العلامة المائية على الورق ـ تخبرنا عن الابن الحبيب. هذا ما فعله الرب يسوع مع تلميذي عمواس عندما فسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب " (لو27:24). ونفس هذا الاختبار يمكن أن يكون من نصيبنا، إذ يمكن أن يعطي لنا نحن أيضًا أن نقول: " ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا إذ كان يكلمنا في الطريق ويوضح لنا الكتب" (لو32:24).

                                                                                                                                     (يتبع)

                                                -----------------                                                   

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات.