الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء التاسع والعشرون

الفصل الخامس :مراحل الحياة  الروحية

المرحلة الثانية: المسيح مُرسل الروح

 (الجزء الرابع)

4ـ الحواس الروحية الجديدة

الوجه النُسكى السلبى "للختم" هو ـ كما ذكرنا ـ إغلاق حواسنا عن أمور هذا العالم ، لأجل المسيح . أما الوجه الإيجابى الصوفى أو السرى ـ الذى لا يعتمد على جهدنا بل على نعمة  الله  ـ فهو انفتاح حواسنا لحقائق لم نكن قد أدركناها قبل ذلك، ولا تذوقناها. أى أن حواسنا الطبيعية تتحول إلى حواس جديدة روحية. كما يقول الإنجيل : " إن كان أحد فى المسيح فهو خليقة  جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدًا" (2كو17:5)، وأيضًا: " ها أنا أصنع كل شئ جديدًا" (رؤ5:21).

فنحن نتحد بالمسيح فى موته وقيامته عن طريق  التغطيس فى مياه  المعمودية  والخروج منها، ثم بختم مسحة  الميرون ندخل إلى حياة  جديدة، أى إلى استخدام فائق للطبيعة تمامًا لحواسنا الطبيعية.

فلنتذكر مرة أخرى ـ أننا حينما نتحدث عن هذه الأسرار وفاعليتها الروحية، أن الماء  والميرون هما العلامات السرائرية الظاهرة، وأن الحقائق الداخلية التى يعبّران عنها، هى المعمودية  غير المنظورة وكذلك المسحة  غير المرئية، أى هى الحقائق المختفية وراء وفوق كل العلامات الظاهرة.

أول  من تحدث عن "الحواس الروحية" هو أوريجينوس[1] فى القرن الثالث. توما الاكوينى والمتصوفون اللاتين، قد وصفوا التحول الذى يحدث للحواس الجسدية فى الحياة  السرية الصوفية. و"نيسيتاس ستيثاتوس Nicetas Stethatos"[2]، قد أوضح كيف أن المسحة  أو الختم  يهب وظيفة سرية باطنية لكل من الحواس الخمس. فحاسة البصر تنال موهبة الرؤية سواء رؤية "ذهنية"، أو "حسية". وحاسة السمع تقابل الإنصات "للهمسات الإلهية"، سواء كان إلى كلمات باطنية تمامًا أو كلمات تسمعها الأذن الطبيعية. والشفتان واللسان يعطى لها كلمات النبوة . وحاسة اللمس يعطى لها "لمسات" إلهية يمكن أن تختبرها ليس النفس  فقط بل والجسد أيضًا. وحتى حاسة التذوق والشم تصير مهيأة لمعرفة إحساسات جديدة.

ويكتب القديس يوحنا كاسيان قائلاً: " يحدث مرارًا كثيرة أثناء الزيارات الإلهية، أننا نمتلئ بروائح عطرة، وبحلاوة لا نعرفها أو نصل إليها بجهدنا البشرى؛ حتى أن النفس  إذ تكون مغمورة بالفرح والبهجة، ترتفع إلى حالة من الدهش، وتنسى أنها تعيش فى الجسد "[3]. والأطياب الثمينة التى تدخل فى تركيب الميرون المستخدم فى الكنيسة  الأرثوذكسية تشير إلى هذه الروائح الفائقة للطبيعة.

ويتحدث الكتاب  المقدس  عن رائحة  الذبائح  الطيبة، وكذلك عن الطيب الذى مُس ح به يسوع، والذى " ملأت رائحته كل البيت" (انظر يو3:12). ويقول القديس بولس الرسول: " نحن رائحة المسيح  الذكية لله" (2كو15:2). وسفر النشيد يقول: " لرائحة أدهانك الطيبة اسمك دهن مهراق" (نش3:1)، " .. صرة المر حبيبى لى" (نش13:1)، ".. رائحة ثيابك كرائحة لبنان" (نش11:4).

    للأسف فإن هذه الكلمات هى مجرد رموز بالنسبة لمعظم المسيحيين ، إذ يجدون صعوبة فى فهم معنى تحوّل الحواس الطبيعية إلى مستوى الحواس الروحية. ولكن ما يعطينا توضيحات كثيرة لهذه الحقائق الروحية هو سير حياة  القديسين. ولكن حتى المسيحيين الذين لا يعيشون كنُساك أو متصوفين يمكن أن يعرفوا هذه الحقائق لفترات قصيرة. فنعمة يوم الخمسين، أى الروح القدس ، الذي يُعطى لنا فى مسحة  الميرون، يأخذنا إلى حالة أفضل  من مجرد تطهيرنا من الخطية  وردنا إلى حالتنا الأولى التى تُوهب لنا بالمعمودية. فالمسحة بالروح تدخلنا إلى الحياة  فى مواهب  الروح.                           

 

5 ـ الحياة  (الخاريزمية) بمواهب الروح

إن مواهب  الروح التى ميزت بدايات الكنيسة  ليست قاصرة على الماضى. فلقد أُعطيت هذه المواهب  للكنيسة ـ أى هى معطاة للكنيسة لتكون فيها فى كل العصور ـ فما هى هذه المواهب "الروحية"؟ ونجد فى بعض نصوص الكتاب  المقدس  وصفًا لنعم الروح: " إنى أسكب من روحى على كل بشر  فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلامًا، وعلى عبيدى أيضًا وإماءى أسكب من روحى فى تلك الأيام فيتنباؤون" (أع17:2و18، وانظر يؤ28:2و29).

ويقول فى الرسالة الأولى إلى كورنثوس: " وَلَكِنَّهُ لِكُلِّ وَاح ِدٍ يُعْطَى إِظْهَارُ الرُّوحِ لِلْمَنْفَعَةِ. فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَمُ حِكْ مَةٍ. وَلآخَرَ كَلاَمُ عِل ْمٍ بِحَسَبِ الرُّوحِ الْوَا حِدِ. وَلآخَرَ إِيمَ انٌ بِالرُّوحِ الْوَا حِدِ. وَلآخَرَ مَوَا هِبُ شِفَ اءٍ بِالرُّوحِ الْوَا حِدِ. وَلآخَرَ عَم َلُ قُوَّاتٍ وَلآخَرَ نُبُ وَّةٌ وَلآخَرَ تَمْي ِيزُ الأَرْو َاحِ وَلآخَرَ أَنْوَاعُ أَلْسِنَةٍ وَلآخَرَ تَرْجَمَةُ أَلْسِنَةٍ. وَلَكِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا يَعْمَلُهَا الرُّوحُ الْوَا حِدُ بِعَيْنِهِ قَاسِماً لِكُلِّ وَاح ِدٍ بِمُفْرَدِهِ كَمَا يَشَاءُ" (1كو7:12ـ11). وفى الرسالة إلى غلاطية نقرأ: " وَأَمَّا ثَم َرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَ بَّةٌ فَر َحٌ سَلا َمٌ، طُولُ أَنَاةٍ  لُط ْفٌ صَلا َحٌ، إِيمَ انٌ. وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْث َالِ هَذِهِ لَيْسَ نَامُ وسٌ" (غلا22:5ـ23).

هذه الأعداد الكبيرة من المواهب  والثمار ترتبط ببعضها وتتداخل أحيانًا كثيرة، ولذلك لا يجب التمسك بأعداد ثابتة للمواهب أو الثمار . ومعروف أن فكرة وجود  سبع مواهب  للروح القدس نشأت فى الكنيسة  الشرقية. فقد عقد اكليمنضس الأسكندرى مقارنة بين المواهب السبعة وبين المنارة  ذات السبعة شعب ولكن على وجه  العموم فإن الكنيسة الشرقية كانت أقل تدقيقًا فى هذه الأمور عن الكنيسة اللاتينية. فهى لا تضع تميزًا حادًا بين المواهب وبين ثمار  الروح القدس . هى لا تضع خطًا فاصلاً بين الموهبة التى تقدس حاملها والموهبة التى تبنى المتلقين دون أن تقدس حاملها بالضرورة. بل هى تميل إلى اعتبار أن الموهبة بوجه عام تقدس الإنسان  الذى يحملها، وإن كان ذلك بطريقة ثانوية. كما أن الموهبة بوجه عام، تؤدى إلى بنيان الآخرين وإن كان ذلك بطريقة ثانوية. والآباء الذين كتبوا باليونانية عادة يستعملون الكلمات التى تُترجم إلى "عطايا" و"قوات"، و"طاقات"، و"مواهب" كمترادفات أى بنفس المعنى. فالفكر المسيحى الشرقى يبدو دائمًا رافضًا لإقحام التحليل العقلى فى مجال النعمة  المحضة.

القديسون  هم ورثة  وخلفاء أصحاب "المواهب  الرسولية" فى القرون الأولى. ورغم أن القداسة  والمسئولية الأسقفية قد ارتبطا معًا فى أحيان كثيرة، فإن موهبة البصيرة الروحية والبنوة يبدو أنها تُمنح للقديس لكونه قديسًا فى شخصه وليس بسبب اسقفيته أو وظيفته الرئاسية. هؤلاء القديسون والأنبياء يتممون داخل الكنيسة  خدمة  روحانية ضرورية. ومن الجهة الأخرى، فإن الذهن  الأرثوذكسى، لا يجب أن ينظر إلى الخدمات المحلية ـ أى خدمة الأساقفة والقسوس والشمامسة، على أنهم فقط أصحاب وظائف إدارية وطقسية. فالروح القدس يُعطى للدياكونيين والكهنة والأساقفة بوضع الأيدى. لذلك فكل الرسامات تتضمن اشتراك بدرجة ما فى نعمة  يوم الخمسين، ولذلك فهى بطريقة ما متصلة ـ كما سنرى فيما بعد ـ بالنعمة الفصحية وسر الإفخارستيا.

"الخلافة الرسولية" الكاملة، هى ـ انتقال لنار يوم الخمسين ولحياة النعمة  التى للرسل القديسين. وحينما تتلازم المواهب  الروحية مع الوظيفة الأسقفية، حينئذٍ يوجد فى الكنيسة  أشخاص مثل القديس أثناسيوس الرسولى والقديس يوحنا ذهبى الفم والقديس باسيليوس والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات والقديس أمبروسيوس وغيرهم من الأساقفة ورؤساء الأساقفة القديسين. ولكن حينما يوجد تناقض بين الوظيفة الرئاسية فى الكنيسة وبين حياة  النعمة، فإن المواهب تتقلص إلى مجرد علامات  خارجية، وللأسف، فإنه يمكن فى هذه الحالة أن يوجد معادلين لقيافا ـ ولكنه قيافا كنسى وليس يهوديًا، وهو أى قيافا الذى تنبأ " إذ كان رئيس كهنة  فى تلك السنة" (يو51:11)، أن يسوع مزمع أن يموت  عن الأمة.

وشخصيات مثل القديس سيرافيم ساروفسكى والقديس الأنبا ابرآم والأب يوحنا من كرونستادت والقمص بيشوى كامل  وغيرهم من الذين عاشوا فى العصر الحديث تشهد لعمل الروح القدس  المتواصل دائمًا فى التاريخ الحديث للكنيسة الأرثوذكسية فى العالم  كله.

                                                -----------------                                                       (يتبع)

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات.



[1] Hom. III super Levit.

[2] In his 1st Century.

[3] Collat. IV.