الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء الثامن والعشرون

الفصل الخامس :مراحل الحياة الروحية

المرحلة الثانية: المسيح مُرسل الروح

 (الجزء الثالث)

3- الختم

    كما رأينا عند الحديث عن "المسحة" فإن القديس بولس الرسول يتحدث عن المسحة على أنها "ختم" عندما يقول إن الله " ختمنا أيضًا وأعطى عربون الروح في قلوبنا" (2كو22:1). ويتحدث الرسول أيضًا في رسالة أفسس عن "الختم" بالروح القدس، بعد الإيمان بالمسيح فيقول " إذ آمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس" (أف13:1) " الذى هو عربون ميراثنا" (أف14:1). وأيضًا يقول " ولا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء" (أف30:4).

    فنحن في المعمودية نتحد بالمسيح في موته وقيامته وبعد المعمودية يختمنا الله بالروح القدس ختمًا سريًا غير منظور. هذا الختم بالروح على قلوبنا هو عربون لميراث الحياة الأبدية كما يقول الرسول (انظر أف14:1). فنحن نأخذ الروح القدس الآن ونحن في هذا العالم لكي نتذوق طعم الحياة السماوية الأبدية التي سندخلها عند مجيء المسيح ثانية ونعيش فيها متمتعين بميراث مجد الله بحالة كاملة، ولكن هذه الحياة نبدأ تذوقها من الآن بعمل الروح القدس الذي نختم به بعد الخروج من المعمودية. والروح الذي نختم به يحثنا في قلوبنا أن نعيش حسب مشيئة الله ووصيته. لذلك يوصينا الرسول بولس أن نحرص على عدم إحزان روح الله في داخلنا إذ يقول " ولا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء" (أف30:4). أى أننا إن تجاهلنا صوت الروح داخلنا فإنه يحزن، والروح يهتم بأن يقدسنا وينقينا لكي نوجد مؤهلين للقاء المسيح في النهاية، وهذا يسميه الرسول "يوم الفداء" أى يوم التحرير الكامل حتى من الموت نفسه بأن تكتمل بنوتنا لله كما يقول في رسالته إلى رومية " متوقعين التبني فداء أجسادنا" (رو23:8).

الختم في سر المسحة (الميرون):

    هذا التعليم عن الختم الذي أكد عليه الرسول بولس نجده واضحًا في صلوات سر الميرون:

    فقبل أن يرشم الكاهن المعمدين بالميرون المقدس، يأخذ الميرون ويصلي عليه قائلاً: "أيها القادر وحده ... أنعم بالروح القدس عند نضح الميرون المقدس؛ ليكن خاتمًا محييًا بابنك الوحيد يسوع المسيح ربنا ... الخ." الخاتم المحيي أو الختم المحيي هو الروح القدس المحيي الذي يهب الحياة الأبدية كما يتضح من نص الطلبة: انعم بالروح القدس ليكن خاتمًا محييًا أى معطيًا للحياة الأبدية.

    وأثناء رشم الكاهن للكتف والكوع والكف للمعمد من الناحيتين (6 رشوم) يقول: "مسحة مقدسة للمسيح إلهنا، وخاتم لا ينحل آمين". وهكذا فالروح القدس يكون للمعمد مسحة مقدسة "وختم لا ينحل"، أى أن الروح القدس ختم لا يضيع مثلما تضيع أو تبهت أو تتآكل الأختام المادية. بل هو يحفظ نفس الإنسان بالثبات في المسيح. ويقول القديس كيرلس الأورشليمي في تعاليمه للموعوظين: "لا تنسوا الروح القدس في وقت استنارتكم (أى معموديتكم)، فهو يكون مستعدًا أن يختم نفسكم بختمه" (عظة35:17). فالكنيسة الأرثوذكسية تسمي سر موهبة الروح القدس ليس "مسحة" فقط، بل تسميه "الختم" أيضًا كما يتضح من صلوات سر الميرون التي ذكرناها أعلاه.

كلمة "ختم" هى في الأصل اليوناني Sphragis. وهذه الكلمة كانت كثيرة الاستعمال في العصور المسيحية الأولى. وSphragis "الختم" في اللغة التقنية، هو العلامة التي توضع على جبهة الحيوانات المعّدة للذبائح، أو على جباه العبيد، أو جباه الجنود. ومن المحتمل جدًا أن بولس الرسول كان يفكر في معنى "الختم" حينما كتب " إني حامل في جسدي سمات الرب يسوع" (غلا17:6). فهو كان يسمي نفسه " عبد ليسوع المسيح" (رو1:1).

الختم يُختم علينا بالروح القدس، وفي نفس الوقت فإن الختم نفسه يشير بالحري إلى شخص المسيح. وكان المسيحيون الأولون يتحدثون كثيرًا عن المسيح باعتباره الصورة الظاهرة للآب. لذلك فإن الختم بالروح القدس يعني أن الروح يطبع فينا صورة الآب، أى الرب يسوع نفسه. ومنذ تلك اللحظة التي فيها يختمنا الروح القدس، لا نعود بعد ملكًا لأنفسنا، بل للمسيح؛ فقد صرنا ـ حسب المعنى التاريخي لكلمة Sphragis ـ عبيد ليسوع المسيح وجنود له، كما صرنا أيضًا ذبائح معه.

وكان المسيحيون الأولون يستعملون تعبير "حفظ الختم" وكانوا يقصدون به أن يظلوا أمناء للمسيح.

وعندما "نختم" بالروح القدس بعد المعمودية فهذا الاجراء له وجهان: وجه نسكي وآخر سري تصوفي.

الوجه النسكي: الذي يقتضي جهدنا الشخصي ويشمل تكريسًا كليًا للمسيح، كما يشمل اغلاق حواسنا تمامًا عن كل ما هو غريب عن حياة القداسة. فالختم يكرس حواسنا للرب يسوع المسيح ويُغلقها عن كل شئ يتعارض مع شخصه ووصاياه وعن كل ما هو غريب عنه.

وهذا الوجه النسكي يعادل "ختان القلب" بعمل الروح القدس، وهذا ما يسميه الرسول بولس بالختان الحقيقي. " ختان القلب بالروح لا بالحرف هو الختان (الحق). هذا الختان الحقيقي هو الذي ينال مدح الله وليس مدح الناس (انظر رو29:2). أي أن هذا الوجه النسكي هو "الموت عن ذواتنا"، وهذا الموت هو الذي يشير إليه التغطيس في المعمودية. لأننا بالتغطيس " ندفن مع المسيح بالمعمودية للموت" (رو4:6).

أما الوجه السري: فهو اشتعال الروح وتجديد النفس بالصلاة، وبكل الوسائل الإيمانية مثل شركة المحبة والتناول من الافخارستيا، وكل هذه سنتحدث عنها في النقاط المقبلة. وهذا الوجه السري الصوفي للختم يشترك فيه الوعي والإدراك بالنسبة للمؤمن الناضج السن، (وهو يختلف عن الختم السلبي الذي يعطى للأطفال في مسحتهم بالميرون) إذ أنه ينتج عن مشاركة إرادة الإنسان وعن محبة الإنسان للمسيح. وهذا ما يشير إليه سفر نشيد الأنشاد عندما تقول النفس " اجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك، لأن المحبة قوية كالموت" (نش6:8).

    كما يقول العريس في النشيد " أختي العروس جنة مغلقة عين مقفلة ينبوع مختوم" (نش12:4). وينبهنا القديس كيرلس الأورشليمي لقوة الروح القدس الذي يمسحنا ويختمنا بقوله: [ هذا الذي مسحتم وختمتم به، هو صيانة روحية للجسد، وخلاص للنفس، وهو سيعلمكم كل شئ بسكناه فيكم كما سمعتم من المطوب الرسول يوحنا الذي تحدث كثيرًا عن هذه المسحة (انظر 1يو5:2)][1].                                                                                                  (يتبع)

--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

+

+

+ + + + +
+

+

+

+

+

 

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات.

.‏‏Saint Mark's Orthodox Fellowship, PO Box 6192, Columbia, MD, 21045

--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------



[1] القديس كيرلس الأورشليمي مقال 21 للموعوظين 7:3.