الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء السابع والعشرون

الفصل الخامس :مراحل الحياة الروحية

المرحلة الثانية: المسيح مُرسل الروح

 (الجزء الثانى)

2 - المسحة

    الرب يسوع هو المسيا، وكلمة مسيا تعنى الممسوح، أو المسيح. فمنذ موسى وأنبياء العهد القديم، كانت المسحة تتم بزيت خاص يُسمى دهن المسحة، لمسح الكهنة والملوك ولتكريس خيمة الاجتماع وكل آنيتها (انظر خروج9:4ـ15، ولاويين10:8ـ13، 1صم10:10، 2صم3:5). وكان ملوك بنى إسرائيل يُسمون مسحاء بسبب مسحهم للمُلك بدهن المسحة. ودهن المسحة فى العهد القديم كان رمزًا وظلاً للمسحة الحقيقية الكاملة التى تحققت فى العهد الجديد بمسح يسوع مخلصنا بالروح القدس وقت معموديته فى نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان، وهذا ما أعلنه معلمنا بطرس الرسول فى بيت كرنيليوس بقوله: " يسوع الذى من الناصرة.. مسحه الله بالروح القدس والقوة، فجال يصنع خيرًا ويشفى جميع المتسلط عليهم إبليس" (أع38:10).

    والآن فإننا فى الكنيسة الأرثوذكسية، نُمسح بالميرون المقدس، ومسحتنا هذه هى امتداد لمسحة المسيح نفسه بالروح القدس كما أنها اشتراك فى مسحته التى تممها الله الآب، ويقول القديس كيرلس الأورشليمى عن هذه المسحة مخاطبًا الموعوظين: [ لقد جُعِلتم مُسحاء بقبولكم الروح القدس. وكل الأشياء عُمِلت لكم تمثلاً بالمسيح لأنكم صورة المسيح. هو اعتمد فى نهر الأردن ونشر رائحة ألوهيته فى الماء، وصعد من الماء ونزل عليه الروح القدس بكل ملئه. وهكذا تم لكم شبه ذلك، فبعد أن صعدتم من المغسل المقدس قد دُهنتم بالمسحة على مثال المسحة التى مُسِحَ بها المسيح، وهذا هو الروح القدس الذى قال عنه إشعياء المبارك فى نبوته عن شخص الرب: " روح السيد الرب علىّ لأن الرب مسحنى" (إش1:61س)]1.

    وهكذا فإن المسحة تربطنا ليس فقط بالروح القدس بل بالمسيح الابن أيضًا. فالآب يمسحنا بالروح القدس كأبناء بالتبنى، كأعضاء جسد ابنه الوحيد.

الارتباط بين الروح والزيت:

    نظر بعض آباء الكنيسة فى القرون الأولى إلى العلاقة السرائرية بين الروح القدس وزيت المسحة على أنها معادلة للعلاقة بين المسيح وبين الخبز والخمر فى سر الإفخارستيا، فالقديس كبريانوس يشير إلى تكريس الميرون بكلمة "إفخارستيا"2، وربما كان يقصد فقط صيغة "الشكر" = "إفخارستيا" التى تتم بها صلاة التكريس. والقديس كيرلس الأورشليمى يستعمل لغة يُفهم منها أن هناك حضور حقيقى للروح القدس فى الزيت (الميرون)، إذ يقول: [ لكن احترسوا من أن تظنوا هذا الدهن دهنًا بسيطًا. لأنه كما أن خبز الإفخارستيا بعد استدعاء الروح القدس ليحل عليه لا يكون خبزًا عاديًا، بل هو جسد المسيح، هكذا هذا الدهن المقدس لا يعود بعد دهنًا بسيطًا ولا عموميًا بعد الصلاة، بل هو موهبة نعمة المسيح، وبواسطة حضور الروح القدس صار لائقًا أن يهب طبيعته الإلهية فتمسح به جبهتك وحواسك الأخرى وإذ يُمسح جسدك بالدهن المنظور، فإن نفسك تتقدس بالروح القدوس المحيى]3.

    ونلاحظ أن القديس كيرلس يتحدث هنا ليس فقط عن موهبة للروح القدس، بل عن موهبة للمسيح والروح القدس. فالمسحة هى دخول إلى المسيح بالروح القدس، ولذلك فهى تُظهِر لنا وظيفة وعمل الروح القدس فى حياتنا.

    وإضافة إلى ذلك، يوجد أيضًا ارتباط خاص ومباشر بين الروح القدس وزيت المسحة (الميرون). ورأى القديس كيرلس الأورشليمى هذا بخصوص معادلة علاقة الروح القدس بزيت المسحة بعلاقة المسيح بالخبز والخمر فى الإفخارستيا يتفق مع الرؤية السرائرية العامة للكنيسة الأرثوذكسية وهى جديرة بأن نعطيها اهتمامًا كبيرًا عن طريق الصلاة والبحث أكثر مما نالته من اهتمام حتى الآن.

    نحن لا نظن أننا نخطئ ضد "العبادة بالروح والحق" حينما نكرّم ونتعبد لحضور ربنا يسوع وذبيحته، فى الخبز المكسور والخمر المسكوب.. وبنفس الإحساس اليقينى يمكننا أن نكرّم ونتعبد لحضور الروح القدس وانسكابه فى الميرون الذى يتم مسحنا به.

    ومن الجهة الأخرى يجب أن نتذكر مرة بعد مرة أن " الله روح، والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغى أن يسجدوا" (يو24:4). وهذا بنوع خاص عندما نتجه إلى الحديث عن أقنوم الروح القدس. فالنعمة الخاصة بيوم الخمسين ـ بالأولى جدًا اكثر من النعمة الخاصة بالمعمودية والنعمة الخاصة بالإفخارستيا ـ لا يمكن أن تنحصر ـ أو كما لو كانت تتبلور ـ حول الممارسة الظاهرة الخارجية لسر مسحة الميرون. فالميرون ـ الذى هو المسحة الطقسية هو العلامة الظاهرة للمسحة الروحانية غير المنظورة التى يسكبها الله فى قلوب البشر حينما يشاء وحيثما يشاء.

    ونجد فى بعض آيات العهد الجديد توضيحًا لطبيعة هذه المسحة وتأثيرها من جهة علاقتها بالروح القدس وكذلك علاقتها بشخص المسيح. إذ يقول الرسول بولس لأهل كورنثوس " ولكن الذى يثبتنا معكم فى المسيح وقد مسحنا هو الله، الذى ختمنا أيضًا وأعطى عربون الروح فى قلوبنا" (2كو21:1و22). فبالمسحة يثبتنا الله فى المسيح أى يرسخنا ويبنينا وذلك ليس بصفة فردية " بل يثبتنا معًا فى المسيح" أى كجماعة مترابطة معًا. وهنا يتضح أيضًا عمل الروح القدس الذى يعطيه لنا الله كعربون فى قلوبنا، فالروح هو الذى يربط ويجمع أعضاء جسد المسيح ويوحدهم معًا فى المسيح، وفى هذا أيضًا يتضح عمل الثالوث القدوس، فالآب هو الذى يمسحنا ويختمنا، ونحن نثبت فى المسيح الابن، والروح هو الذى به يمسحنا الآب ويختمنا ليخصصنا للمسيح.

    ويقول يوحنا الرسول فى رسالته الأولى: " وأما أنتم فالمسحة التى أخذتموها منه ثابتة فيكم ولا حاجة بكم إلى أن يعلّمكم أحد بل كما تعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شئ وهى حق وليست كذبًا. كما علّمتكم تثبتون فيه" (1يو27:2).

    وهنا يوضّح القديس يوحنا أن المسحة تعلّم كل شئ وفى هذا إشارة واضحة إلى عمل الروح القدس الذى تحدث عنه الرب فى الإنجيل عندما قال " وأما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى فهو يعلّمكم كل شئ" (يو26:14). وأيضًا " متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق..." (يو13:16). وهكذا فإن المسحة تثبتنا فى المسيح بالتعليم الروحى فى داخلنا وبإرشادنا إلى جميع الحق سواء الحق الخاص بحياة القداسة والسلوك الروحى او الحق الخاص بتعليم الإيمان العقيدى.       (يتبع)

--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

للقديس غريغوريوس النزينزي:
حلول الروح القدس في يوم الخمسين

    [ إن الروح القدس لم يحل هنا كمجرَّد قوة كما كان فيما سبق، وإنما يمكن أن يُقال إنه بجوهره صار يشاركنا ويعايشنا. فقد كان لائقاً بعد أن عاش الابن في وسطنا جسديًّا، أن يظهر لنا الروح أيضاً في هيئة جسمية ...
     وقد جاء في هيئة ألسنة بسبب اتصاله بالكلمة (اللوغس)، وهذه الألسنة كانت نارية بسبب قدرته على التطهير ... أو بسبب جوهره الناري، لأن إلهنا نار آكلة (عب 12: 29)، تأكل التواني ...
     والألسنة كانت منقسمة بسبب تنوُّع المواهب، وكانت جالسة (مستقرة) على كل واحد (أع 2: 3) إشارة إلى أن الروح يملك ويستريح في قديسيه (إش15:57 LXX)..

     وقد حدث ذلك في علية (أع 1: 13)، إشارة إلى أن العتيدين أن يقبلوه يجب عليهم أن يرتفعوا ويتساموا عن الأرضيات،  وهكذا يسوع أيضاً في علية قد منح شركة أسراره للذين تكمَّلوا بالخيرات الفائقة.]

عظة عن يوم الخمسين (41: 11و12)



1 تعليم الموعوظين عظة1:21.

2 Epistle 70.2.

3 تعليم الموعوظين2:21.