الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء السادس والعشرون

الفصل الخامس :مراحل الحياة الروحية

المرحلة الثانية: المسيح مُرسل الروح

 (الجزء الأول)

1 - نعمة يوم الخمسين

    كثيرًا ما نجد في بقايا الفن المسيحي للقرون المسيحية الأولى، حمامة واقفة إلى جوار فاز (vase) مملوءة بالماء، وفي فمها غصن زيتون. هذا التصوير الفني يصور الروح القدس في شكل حمامة، ويشير إلى الروح مرتبطًا بماء المعمودية. ولهذا فإن الكنائس الشرقية ـ التي تحافظ على التقليد الأول القديم ـ تمنح عطية الروح القدس بعد المعمودية مباشرة بمسحة الميرون ـ بدون أى تأجيل ـ كما تفعل الكنيسة الغربية الآن.

الارتباط بين الماء والروح:

    هناك ارتباط بين الماء والروح، يشير إليه الكتاب المقدس كله بعهديه القديم والجديد. ففي بداية الخليقة يذكر سفر التكوين: "وكان روح الله يرف على وجه المياه" (تك2:1). وبعد الطوفان أتت الحمامة إلى نوح "وإذا ورقة زيتون خضراء في فمها" (تك11:8)، وورقة الزيتون ترمز إلى مسحة الميرون.

    وبعد أن اعتمد الرب يسوع في نهر الأردن " انفتحت السموات له، ورأى الروح نازلاً مثل حمامة وأتيا عليه " بعد صعوده من الماء مباشرة (انظر مت16:3). وهكذا فإن الرب نفسه عندما تحدث مع نيقوديموس عن الولادة من فوق ربط بصورة محددة بين الماء والروح عندما قال له " الحق الحق أقول لك، إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يو5:3).

انسكاب الروح يوم الخمسين:

    كان مجيء الروح القدس يوم الخمسين " كألسنة منقسمة كأنها من نار" على التلاميذ وعلى كل الكنيسة المجتمعة في العلية هو أبرز وأقوى تعبير عن حلول الروح القدس على المؤمنين بالمسيح.

    وهنا نلتقي مرة أخرى بالظهور النوراني لله أو ظهوره الناري، أى "المجد" doxa كما سبق أن ظهر كنار في عليقة لموسى النبي أو كما ظهر كنور يغطي خيمة الاجتماع عندما يملأ مجد الرب المسكن (انظر خر34:40ـ38)، وهو سمة تميز التصوف المسيحي الشرقي.

    لقد جعلت الكنيسة الأرثوذكسية، "المسحة" (والتي تعادل طقس "التثبيت" في الكنيسة اللاتينية). هى التعبير الخارجي عن سر اشتراكنا في الروح القدس. ونقول هنا إنه كما أن النعمة الخاصة بالمعمودية تمتد إلى أوسع من طقس المعمودية بحصر اللفظ، هكذا أيضًا فإن عطية أو نعمة الروح القدس لا تنحصر في حدود المسحة فقط. والكتاب المقدس يذكر حالات أُعطى فيها الروح بدون تدخل أى إنسان: مثل حالة كرنيليوس والذين معه (أع44:10). وهناك حالات انسكب فيها الروح القدس قبل التغطيس في الماء. إما مباشرة (مثل حالة كرنيليوس) أو بواسطة وضع اليدين كما في حالة شاول (بولس الرسول) (أع17:9). كما حدث أيضًا أن الروح حلّ مرة أخرى على الرسل، وكان قد سبق أن حلّ عليهم يوم الخمسين (انظر أع31:4).

    من البديهي ـ على أساس إيماننا بوحدانية الآب والابن والروح القدس ـ أن نقول إن نعمة الروح الفاعلة في سر المعمودية هى في نفس الوقت نعمة الآب وهي نعمة الابن. ولكن يوجد إرسال خاص للروح إلى الإنسان، فأية معمودية بالماء فقط لا تكمّل بالروح القدس تعني حياة مسيحية ناقصة وعاجزة. إذ قد قال الرب للرسل "وأما أنتم فستُعمدون بالروح القدس" (انظر أع5:1، أع16:11).

    والسؤال الذي وجهّه الرسول بولس إلى بعض التلاميذ الذين وجدهم في أفسس: هل قبلتم الروح القدس؟ هو مُوَجّه إلى كل واحد منا. ولا يكفي أن يكون الجواب: لقد نلت سر مسحة الروح بعد معموديتي، حينما مُسحت بالميرون المقدس. والسؤال الذي نحتاج أن نواجهه هنا هو: هل نمت بذرة الروح هذه داخل نفسنا وبأى كيفية نمت؟

    أحيانًا، يكون من الصعب تمييز دور الروح القدس في الحياة المسيحية. وفي الحقيقة فإن عمل الروح القدس لا يمكن فصله عن عمل الابن. فلا يوجد مجال في الكنيسة الأرثوذكسية للاعتقاد بوجود "ملكوت ثالث"، أى ملكوت للروح القدس تالي لملكوت المسيح. وأولئك الذين يتحدثون عن ما يسمى "مركزية الروح" (pneuomato centrism) ضد ما يسمى بمركزية المسيح (christo centrism)، الخاصة بالكنيسة الغربية، قد يعبّرون بهذا عن تعليمهم اللاهوتي الخاص بهم، ولكنهم يتكلمون لغة غريبة عن آباء الكنيسة ومعلميها وعن حياة القديسين في الكنيسة الأرثوذكسية. حينما ننسب عملاً معينًا للروح القدس أو للابن أو للآب، فنحن نستعمل تخصيصات مناسبة لأي واحد من الأقانيم، بمعنى أن هذا العمل المعين يبرز فيه دور أحد الأقانيم أكثر من الأقنومين الآخرين ولكن ليس بمعنى أن الأقنومين الآخرين لا يشتركان في هذا العمل. فالآب والابن يشتركان في كل عمل يعمله الروح القدس. فالأقانيم الثلاثة يشتركون كل منهم في عمل الآخر. وإذا تركنا جانبًا موضوع إضافة "والابن" على قانون الإيمان بخصوص انبثاق الروح القدس1 والذي نتج غالبًا عن سوء فهم وخلط بين إنبثاق الروح من الآب وبين إرساله إلى العالم يوم الخمسين من الآب بواسطة الابن. (وهنا يجدر أن نذكر أن البابا يوحنا بولس الثاني بابا روما أعلن قبل انتقاله بسنوات قليلة أنه يمكن للكاثوليك في كل أنحاء العالم أن يقولوا قانون الإيمان إما بالصيغة الأصلية، أو بصيغة "والابن"، مما يعتبر تقديرًا منه للصيغة الصحيحة للإيمان حسب نص الإنجيل وحسب تسليم الآباء الأرثوذكس منذ مجمعي نيقية والقسطنطينية المسكونيين)، نقول، إذا تركنا جانبًا موضوع الخلاف حول انبثاق الروح القدس، فيجب أن ننتبه إلى نقطتين هامتين عن علاقة المسيح بالروح القدس في الروحانية الأرثوذكسية:

    النقطة الأولى هى: الرب يسوع هو الذي يرسل الروح القدس إلى البشر إذ يقول له المجد " ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب.." (يو26:15). " إن ذهبت سأرسله (المعزي) إليكم" (يو7:16). كما أخبرنا الإنجيل حسب القديس يوحنا أن الرب بعد قيامته نفخ الروح في التلاميذ ".. نفخ وقال لهم اقبلوا الروح القدس.." (يو22:20).

    وهذا يعني أنه بدون الإيمان بالمسيح والخضوع له، لا يمكن أن ينال الإنسان عطية الروح القدس. وهذا ما سبق أن أوضحناه في المرحلة الأولى للروحانية الأرثوذكسية أن التوبة والمعمودية باسم الرب يسوع هى التمهيد الضروري لقبول عطية الروح القدس حسب القول الشهير للرسول بطرس يوم الخمسين: " توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس" (أع38:2).

    النقطة الثانية هى: أن ربنا يسوع هو هدف إرساله للروح القدس بعد صعوده. فعمل الروح عندما يأتي هو أن يمجد المسيح كما يقول الرب نفسه: " روح الحق.. لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به... ذاك يمجدني، لأنه يأخذ مما لي ويخبركم" (يو13:16ـ14).

    وهنا يقول القديس كيرلس عمود الدين: [الروح يعمل نفس عمل الابن وله نفس هدفه ... والروح يمجد المسيح بأن يباشر نشاطه في الخليقة كلها بطريقة عجيبة وإلهية، وبأن يغرس في القديسين معرفة كاملة تمامًا] (شرح يو13:16، 14). فبعد يوم الخمسين، كما كان من قبل يوم الخمسين، فإن الرب يسوع ـ لأنه هو ابن الله، يظل هو "هدف وموضوع" الحياة الروحية، إذ يتجه هو نفسه نحو الآب كما يقودنا  نحن معه ـ ويقودنا ونحن فيه ـ إلى الآب.

    وهنا، فإن الروح لأنه حاضر في روحنا، يكون متحدًا بروحنا أو بحياتنا أو هو ذاتية هذه الحياة. فما هو "ذاتي" يسعى نحو "الموضوع" أو الهدف، أى يسعى إلى ما هو موضوعى. الروح يصور المسيح في داخلنا، ويجعله حاضرًا بالنسبة لنا. فإذا أخطأنا وصرنا ننظر إلى الروح بطريقة أخرى غير كونه الروح الذي يعلن المسيح لنا ويمجده، فلن يمكننا أن ندركه؛ إنه ينزوي، وكأنه يختفي تمامًا. فالروح لا يحل محل المسيح، ولا يعمل كبديل له، ولكنه يجهزنا للمسيح ويحقق فينا "المجيء" ـ مجيء المسيح الرب وحضوره الدائم فينا.                                                                                                                (يتبع)



1 إضافة "والابن" (Filioque) على قانون الإيمان بحيث يكون انبثاق الروح من الآب والابن، حدثت في الكنيسة الكاثوليكية في القرن الحادي عشر.