الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء الرابع والعشرين

الفصل الرابع :مراحل الحياة الروحية

المرحلة الأولى: المعمودية

مرحلة التطهير وبداية عملية التجديد الروحى للإنسان

(الجزء الثامن)

4ـ الحياة الجديدة والجهاد الروحى (جزء رابع)

رابعا ـ الإقتداء بالمسيح:

     وقد يتساءل البعض هل فكرة الإقتداء بالمسيح التي انتشرت في الغرب هى فكرة غريبة عن الكنيسة الأرثوذكسية. وكثيرًا ما يُقال إن فكرة "الإقتداء بالمسيح" imitatio Christi هى نتاج العصور الوسطى في الغرب ولا تنتمي للفكر الأرثوذكسي. والحقيقة أن مثل هذا القول هو كلام سطحي بل وغير صحيح. فإن القديس باسيليوس (أسقف قيصرية كبادوكية في القرن الرابع) شدّد بقوة على تمثل الإنسان المسيحي بالمسيح، وهو لا يقصد فقط التمثل بالمسيح بشكل عام كما نقرأ في رسالة فيلبي " فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضًا" (في5:2و20) (وانظر أيضًا 1كو16:4 و1:11)، ولكن التمثل بالمسيح يعني أن تكون فينا أعمال المخلّص وكذلك تنغرس فينا كلماته. إذ يكتب القديس باسيليوس قائلاً: " هذا الاقتداء بالمسيح يمنحنا طريقة حياة تستحق الإعجاب" ويقول أيضًا " كل عمل وكل كلمة من أعمال الرب وكلماته هى قانون"[1].

     والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات يتبنى نفس الفكرة: فيجب علينا ـ حسب رأيه ـ أن نكتشف الوجه الحقيقي والحاضر الآن لكل إيماءة من إيماءات المسيح. فكل أحداث حياته، مثل الحدث المتصل بالمجوس، وحدث صيارف العملة في الهيكل، وحدث المرأة الكنعانية، وإقامة لعازر ـ كل هذه ينبغي أن تصير أحداث في حياتنا الخاصة، فالمسيح نام لكي يبارك نومنا، وتعب لكي يبارك أتعابنا، وبكى لكي يبارك دموعنا.  

5ـ الاندماج في المسيح

     إن تمثلنا بالرب يسوع، باعتباره نموذج الطبيعة البشرية الجديدة، لا يستنفذ كل اتساع نعمة المعمودية. فنحن نخلص ليس فقط بواسطة المسيح، ومع المسيح، بل بالأحرى "في المسيح". فالحياة المسيحية هى أكثر من أن تكون فقط "تمركز حول المسيح": بل هى "وجود في المسيح". هذا الجانب، جانب "في المسيح" (الذي يتكرر كثيرًا في رسائل القديس بولس) يتم سرائريًا في عملية التغطيس في المعمودية. فالكنيسة الأرثوذكسية لا تزال تتبع كنيسة الرسل والآباء في القرون الأولى، بأن تغطس أو تغمر المسيحي الداخل إلى الكنيسة ـ تغمره داخل الماء. هذا التغطيس معناه، الدفن والموت مع المسيح، أما الخروج من الماء بعد التغطيس فمعناه القيامة لجدة الحياة في المسيح. " أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته. فدفنا معه بالمعمودية حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدة الحياة" (رو3:6ـ4)، وأيضًا " لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" (غلا27:3).

     إن عضويتنا في جسد المسيح يجب أن نفهمها بطريقة واقعية، ففي عبارة جسد المسيح "السري"، فإن كلمة "سري" (mystical) لا تعني رمزي أو فوق الطبيعي، كما أنها ليست عكس كلمة "طبيعي"، بل هى تعني خفي أو غير منظور. (وهى مشتقة من الكلمة اليونانية mysterion) فنحن نشترك في طبيعة الرب يسوع بطريقة غير منظورة. وعندما نقول "طبيعة" (من الكلمة اليونانية physis) فهذا معناه أنه جسد طبيعيphysical  فيزيقي). هذه العضوية الحقيقية في المسيح أكد عليها كثيرًا آباء الكنيسة الشرقية، كما أكد عليها أيضًا بعض آباء الغرب مثل القديس أغسطينوس.

     يقول القديس غريغوريوس النزينزى [ الذي لا يُتخذ لا يخلص][2]، ويقصد أنه لو أن المسيح لم يتخذ كل عناصر طبيعة الإنسان، فإن العنصر الذي لم يتخذه لا يخلص. فلو أن كلمة الله في تجسده اتحد بجسد ليس له نفس عاقلة فإن النفس لا تخلص. ويقول القديس غريغوريوس النيسي [ الذي يُتخذ يصير هو الآخذ ][3]. فلننتبه إلى مقدار الجرأة في هذه الكلمات: فهو يقول إننا نصير المسيح، ولكن طبعًا دون أن تكون لنا طبيعة المسيح الإلهية. ويصّر القديس يوحنا ذهبي الفم على أن المسيحي الذي إعتمد، هو ليس فقط مولودًا من الله، بل قد لَبِسَ المسيح أيضًا، وهذا اللبس ليس أخلاقيًا فقط ـ بأعمال المحبة ـ بل هو حقيقي وفعلي. فإن التجسد قد جعل اندماجنا في المسيح وإتحادنا بالله ممكنًا. ويقول القديس ميثوديوس أسقف أولمباس (القرن الثالث): [ ينبغي على كل واحد منا أن يعترف ليس فقط أن مجيء المسيح في الجسد من العذراء النقية هو مقدس، بل أيضًا أن مجيئه إلى قلب كل منا هو مقدس بالمثل ][4]. وقبل ذلك بفترة طويلة فإن القديس إيرينيوس (أسقف ليون ـ استشهد سنة 202م)، قد انطلق من تعليم الرسول بولس في الرسالة إلى أفسس، فصاغ المفهوم العظيم عن "جمع كل البشر في المسيح" (انظر أف10:1) " ليجمع كل شئ في المسيح".

     وهكذا تكلّم النساك والُعباد في الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية. فيقول القديس مقاريوس الكبير: [.. الله غير المحدود، الذى يفوق الإدراك، فى صلاحه ورحمته، أنقص نفسه (أخلى نفسه)، ولبس أعضاء هذا الجسد، متخليًا عن المجد الذى لا يُدنى منه... وإذا صار جسدًا، فإنه يأخذ إليه النفوس الأمينة ويصير معها روحًا واحدًا.. ونفسًا فى نفس،.. وجوهرًا فى جوهر، حتى أن النفس تستطيع أن تعيش فى اتحاد، وتتذوق الحياة غير المائتة وتصير شريكة فى المجد الذى لا يفسد..] (عظة10:4). ويقول سمعان المتوحد رئيس دير القسطنطينية في القرن 11 [ نحن نصير أطراف المسيح وأعضاءه، والمسيح يصير هو أعضاؤنا.. ورغم أني غير مستحق، فإن يدي ورجلي هى يد ورجل المسيح. إني أحرك يدي، ويدي هى بالتمام للمسيح، لأن ألوهية الله متحدة بي بدون انفصال، إني أحرك رجلي، وياللعجب أنها تتألق مثل الله نفسه.. ][5].

     وسمعان هذا نفسه، يتحدث عن أبيه الروحي، سمعان العمودي فيقول:  [هذا الراهب القديس لم يكن يخجل من أطراف أو أعضاء أى إنسان، ولم يكن يخاف من رؤية رجال عرايا أو أن يراه الآخرون عريانًا. لأنه اقتنى المسيح كليةً، وكان هو بكليته للمسيح، وكان دائمًا يتأمل أطرافه وأعضاؤه وكذلك أعضاء الآخرين على أنها أعضاء المسيح ].

     إن تعليم الرسول بولس الذي يقول " أنتم جسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا" (1كو27:12)، لا ينبغي، طبعًا، أن يُفهم على أنه وحدة جوهر بين غير المخلوق والمخلوق، بل على أنه إتحاد "عارض"، معطى للإنسان بالنعمة. هذا التعليم يلقي ضوءًا جديدًا على بعض تعبيرات الرسول بولس. فالرسول لا يقول " المسيح يعطي حياة"، بل: " لى الحياة هى المسيح" (في21:1). "حياة أبدية في المسيح يسوع" (رو23:6). " متى أظهر المسيح حياتنا" (كو4:3). وهو لا يقول فقط إن المسيح يعطينا حكمة وبرًا، والمسيح يقدسنا ويفتدينا، بل يقول " المسيح يسوع الذي صار لنا من الله حكمة وبرًا وقداسة وفداءً" (1كو30:1)

     فالمسيح هو جوهر وأساس حياتنا، بل هو حياتنا وكل شئ لنا كما تقول الكنيسة في أوشية الإنجيل مخاطبة المسيح: " لأنك أنت هو حياتنا كلنا وشفاؤنا كلنا وخلاصنا كلنا وقيامتنا كلنا..".                                                                                                                                                                                                                                                                               (يتبع)



[1] الروح القدس، للقديس باسيليوس فصل   ( xix).

[2] Letter to Cledonius.

[3] Adv. Apolin., 53.

[4] De Sanguisuga, VIII.

[5] Divine hymns of love.

 

____________________________________________________________________________

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات.

.‏‏Saint Mark's Orthodox Fellowship, PO Box 6192, Columbia, MD, 21045