الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء الثالث والعشرين

الفصل الرابع :مراحل الحياة الروحية

المرحلة الأولى: المعمودية

مرحلة التطهير وبداية عملية التجديد الروحى للإنسان

(الجزء السابع)

4ـ الحياة الجديدة والجهاد الروحى (جزء ثالث)

ثانيا ـ قوة الحياة الجديدة تغلب الخطية (تكملة):

     فالمسيح نفسه هو الذى يجاهد فينا ومعنا بعد المعمودية لكى يغلب قوة الخطية فينا ويعطينا شركة حقيقية فى قيامته ونصرته.

     ولذلك يلزم للمسيحى لكى يجاهد الجهاد الحسن أن يتعود النظر إلى المسيح بثقة وإيمان ويوجه نظر قلبه دائمًا إلى الرب يسوع ويطلبه ويتعود على طلبه باستمرار ويحول نظره من تجارب الخطية التى تحاربه إلى الرب يسوع. وعندما يتعود الإنسان أن يحول نظر قلبه إلى المسيح فإن المسيح هو الذى يبطل قوة الخطية. وعندما يُحارب الإنسان بأية خطية فليطلب الرب يسوع من كل قلبه ويسلم نفسه له ليتولى الجهاد معه وفيه. إن سر أى نصرة هو أن يستطيع الإنسان بسرعة أن ينظر إلى المسيح فى داخله، عندئذ تتلاشى قوة الشر وتبطل فاعلية الخطية ويهزم الشيطان بسبب حضور المسيح فى القلب. ومن الخطأ أن يحاول الإنسان الدخول فى صراع مع الخطية بمفرده، فالنتيجة فى هذه الحالة هى الهزيمة. بل إن تحويل النظر إلى المسيح هو الذى يُحصّن القلب والفكر بقوة إلهية فينتصر الإنسان بقوة المسيح الظافر والغالب لقوة الشيطان والخطية، وهو المحرر الحقيقى الوحيد للإنسان.

     مع ملاحظة أن الإنسان لا يستطيع عادة أن ينظر إلى المسيح بسرعة فى لحظة التجربة إن لم تكن قد تأسست بينه وبين المسيح علاقة حب وإيمان وطيدة عن طريق الصلاة، وبعد ذلك عندما تأتى التجربة يسهل عليه أن يلتفت سريعًا إلى المسيح بقلبه ويناديه ويراه أمامه مصلوبًا وقائمًا من الموت وغالبًا الخطية وقوتها بالصليب والقيامة. لذلك فمن المهم جدًا فى الجهاد الروحى مداومة العشرة مع المسيح بالصلاة وقراءة كلمات الرب في الإنجيل ليتحقق التصاق القلب بالمسيح الذى هو سر النصرة.

ثالثا ـ المحافظة على الإنسان الجديد:

     يقدم لنا هنا التقليد الأرثوذكسي أربع طرق نسكية رئيسية للمحافظة على الحياة الجديدة:

1 ـ حراسة القلب: ويشدد عليها القديس حزقيوس الأورشليمي. وينصحنا القديس حزقيوس بقوله: "إذا أردت أن تضبط قلبك وتسود على أفكارك: قف صامتًا وهدئ قلبك وابدأ بصلاة قصيرة مثل صلاة "يا ربي يسوع"، إلصق بها كل حواسك وكلما زاغ فكرك ردّه إلى اسم يسوع. وهكذا ستحصل على نعمة وفائدة كبيرة بهذه الصلاة".

     فقوة اسم الرب يسوع هى التي تضبط القلب وتحرسه من الزيغان.

2 ـ التعفف: كان التعفف على الدوام أمرًا هامًا في الروحانية الأرثوذكسية. فمعروف أن النشاط الجنسي ـ في ذاته ـ الموجه نحو تكاثر أولاد الله والذي يضبطه "الكلمة" مخلّصنا هو أمر حسن تمامًا. فالزواج الحقيقي بما فيه من حياة جنسية ـ في المسيح يمكن أن يكون حالة كمال حقيقي ـ وسوف نرى فيما بعد كيف أنه ينبغي أن يكون امتدادًا للنعمة الفصحية. ولكن بسبب ضعف الطبيعة البشرية الذي نتج عن السقوط أصبح من الصعب عمليًا تحقيق هذا الكمال في الزواج في أغلب الحالات.

     وهذا ما جعل الكنيسة تنظر إلى طريق التعفف الجنسي على أنه عمليًا هو الطريق الأكثر أمانًا للوصول إلى الكمال. وإضافة إلى ذلك فإن التعفف الذي يختاره الشخص حبًا في المسيح واقتداءً بمثاله، هذا التعفف يكتسب صفة ذبائحية عالية (أى تضحية عالية بالذات). لهذه الأسباب فإن التقليد الآبائي والكنسي بأجمعه قد نادى بسمو البتولية فوق الزواج. وقد رفضت الكنيسة في القرون الأولى موقف أولئك الذين اعتبروا التعفف والزواج أنهما طريقان لهما قيمة متساوية، واختصروا المسألة كلها في أنها مسألة "دعوات" أو "مواهب"، فإن واجب الاستجابة للدعوة الشخصية لا يلغي المعيار الموضوعي للقيم الخاصة بالكنيسة. وحينما علَّم "جوفنيان" Jovinian في نهاية القرن الرابع)[1]( أن البتولية والزواج هما في ذاتهما متساويان في الصلاح وفي الاستحقاق للمدح، فإن الكنيسة أدانته وقطعته من شركتها (قرار البابا سريسيوس Siricous، والذي وافق عليه القديس أمبروسيوس والقديس إيرونيموس، وأيضًا مجمع روما ومجمع ميلانو سنة 390م). هذا كان موقف الكنيسة القديمة، ويظل هو نفسه موقف الكنيسة الأرثوذكسية وكذلك الكنيسة الكاثوليكية.

     وهذه النظرة المتعارضة (التي تثيرها مسائل النسك والرهبنة) ربما تفصل الكنائس الشرقية الأرثوذكسية عن البروتستانتية وغالبية الأنجيليكان ربما بشكل أقوى من الاختلافات العقيدية. الكنيسة الأرثوذكسية تبارك الزواج كما قدس المسيح عرس قانا الجليل، ولكنها تكرر كلام الرب: " يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات من استطاع أن يقبل فليقبل" (مت12:19). والكنيسة الأرثوذكسية تردد وراء بولس: " إن تزوجت لم تخطئ، ولكنها تقول أيضًا وراءه: أريد أن تكونوا بلا هم. غير المتزوج يهتم فيما للرب.. من لا يتزوج يفعل أحسن" (1كو28:7، 32، 38). وقد تعلّمت الكنيسة من سفر الرؤيا أن الأبكار " يتبعون الحمل حينما ذهب" (رؤ4:14). كما أن الرسول بولس نصح الأزواج بالتوافق على فترات من التعفف الجنسى للتفرغ للصوم والصلاة (انظر 1كو5:7).

3 ـ الصوم: وهناك رأي آخر لجوفنيان أدانته الكنيسة وهو قوله إن تناول الطعام بشكر هو مساوٍ تمامًا في قيمته "للصوم". فالكنيسة الأرثوذكسية تدقق في مسألة الصوم ولا تتساهل فيها. فهى تذكر كلمات الرب يسوع: " هذا الجنس (الشيطان) لا يخرج بشئ سوى بالصلاة والصوم" (مت21:17). وقوله: "ستأتي أيام حينما يرفع العريس عنهم (عن بني العرس)، وحينئذٍ يصومون" (مت15:9). ولكن من الجهة الأخرى فالكنيسة تتذكر أيضًا تحذير إشعياء النبي: " أليس هذا صومًا أختاره؟ حل قيود الشر. فك عقد النير، وإطلاق المسحوقين أحرارًا، وقطع كل نير؟ أليس أن تكسر للجائع خبزك وأن تدخل المساكين التائهين إلى بيتك. إذا رأيت عريانًا أن تكسوه وأن لا تتغاضى عن لحمك" (إشِ6:58ـ7).

     وهكذا يقدم التقليد الكنسي الأرثوذكسي، الصوم كأحد الطرق للمحافظة على الحياة الجديدة.

4 ـ عمل الرحمة: والكنيسة لا تفصل بين الصوم وبين عمل الرحمة والعطاء. وقد سبق هرماس (أوائل القرن الثاني) في كتابه "الراعي" أن صاغ هذا المبدأ: " اقتطع كمية الطعام التي اعتدت أن تأكلها يوميًا ثم اعطها للأرملة، ولليتيم وللفقير، وبهذه الطريقة فإنك سوف تحقق إماتة نفسك".

     والقديس يوحنا ذهبي الفم يصّر ويؤكد على المعنى العظيم لعمل الرحمة. وإذ يوجه حديثه لأولئك الذين يزينون مائدة المسيح بأواني من ذهب، بينما المسيح نفسه ـ في أشخاص فقرائه ـ يموت من الجوع، يقول: " ينبغي أن نهتم بالواحد وبالآخر، ولكن نهتم بالآخر (أى الفقير)، أولاً. هذا الهيكل (أى الفقير) هو أعظم من الهيكل الآخر")[2](.

     وأولئك الذين يقولون " أتمنى بكل قلبي أن أستقبل بولس الرسول في بيتي "، يرد عليهم قائلاً: " انظر ها أن رب بولس يمكن أن يسكن في بيتك، إن كنت ترغب في ذلك ")[3](. وأيضًا يقول: "هذا المذبح (أى الفقير) يمكنك أن تراه منصوبًا في كل مكان في الشوارع، ويمكنك في كل ساعة، أن تقدم الذبيحة عليه...")[4](.                                                                                                                                 (يتبع)



(1) الذي قال عنه العلاّمة هارناك إنه كان بروتستانتيًا قبل ظهور البروتستانتية.

(2)  In Matt. hom L.

(3) In Act. Hom. XLV.

(4) In II Cor. hom. XX.

____________________________________________________________________________

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات.

.‏‏Saint Mark's Orthodox Fellowship, PO Box 6192, Columbia, MD, 21045