الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء الثانى والعشرين

الفصل الرابع :مراحل الحياة الروحية

المرحلة الأولى: المعمودية

مرحلة التطهير وبداية عملية التجديد الروحى للإنسان

(الجزء السادس)

4ـ الحياة الجديدة والجهاد الروحى (جزء ثانى)

   أولا ـ (تكملة ما سبق)   أما أعمال الروح أو ثمر الروح فهى محبة فرح سلام... إلخ (غلاطية 22:5-23).         

     ويلاحظ أن على رأسها المحبة. لأن المحبة هى طبيعة الله عكس الأنانية وحب الذات التى هى أساس أعمال الجسد. ويقول الرسول بعد ذلك، " ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات"، فروح الله هو الذى يخلق الإنسان الجديد حسب حياة المسيح أو حسب صورة المسيح وهذا هو ما يبدأ خلقه فى المعمودية. ويلزم أن تستمر عملية خلق الإنسان الجديد بصورة متجددة كما يقول الرسول فى كولوسى 10:3 "ولبستم الجديد الذى يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه". فهنا يذكر الإنسان الجديد الذى يتجدد، أى يوضح بذلك أن الإنسان الجديد يستمر فى عملية التجديد. " ولبستم الجديد" أى لبستم حياة المسيح، " الذى يتجدد" أى يزداد جدة أى يجدد لبسه للمسيح ولبسه لحياة المسيح، و" للمعرفة" أى يزداد معرفة للمسيح ويزداد تغلغل المسيح فى داخله ويتملك داخله أكثر فأكثر، و" حسب صورة خالقه" أى حسب صورة الكلمة الذى خلقه فى الأصل، كما قلنا إن الإنسان الجديد هو إعادة الإنسان للحالة التى خُلق عليها فى الفردوس ليكون على صورة الله خالقه. فالروح القدس يُعلّم الإنسان الجديد ويعطى له القدرة أن يعمل مشيئة الآب، وليس مشيئة ذاته. ولهذا يقول الرسول بولس " وإنما أقول اسلكوا بالروح فلا تكملوا شهوة الجسد لأن الجسد يشتهى ضد الروح (القدس)، والروح(القدس) يشتهى ضد الجسد وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون" (غلاطيه 16:5و17). وهنا يتضح من كلام الرسول أن هناك جهاد تقوم به الطبيعة الجديدة التى يحركها الروح القدس الذى يشتهى ضد ما يشتهيه الجسد أى ما يشتهيه الإنسان الذى يعيش لذاته، بمقتضى طرق تفكيره واتجاهاته، ويقول لهم، إن سلكتم بالروح تستطيعون أن تسودوا على اتجاهاَت الإنسان العتيق، وبالتالى فبدون الروح القدس لن تستطيعوا أن تسودوا على النزعات القديمة بل ستنغلبون منها رغم أنكم ربما لا تريدون أن تعملوها كما يقول فى رسالة رومية: " حينما أريد أن أفعل الحسنى أجد أن الشر حاضرُ عندي" (رو 21:7). هذه هى الحالة قبل أن ينال الإنسان التحرير والعتق من سلطان الخطية بقوة روح الحياة فى المسيح يسوع كما يقول فى ص8 " لأن ناموس روح الحياة فى المسيح يسوع قد أعتقنى من ناموس الخطية والموت" (رو 2:8)، أى بعد أن نال قوة روح الحياة أمكنه أن يتمم مشيئة الله.

     فالحياة الجديدة فيها جهاد ولكنه جهاد لا يقوم به الإنسان بقوته الذاتية أو بإرادته وحده (رغم أهمية توفر رغبة الإنسان وإرادته فى الخضوع لروح الله)، بل هذا الجهاد يتولاه الروح القدس فى داخلنا وعلى الإنسان الذى دخل فى علاقة الحياة مع المسيح أن يسلم ذاته وقلبه للمسيح ويصلى بإيمان طالبًا تأييد الروح القدس لكى يغلب أهواءه القديمة. أى أن مسئولية الإنسان هنا هى أن يسلم ذاته لله وينظر إلى المسيح فى داخله لكى يستمد منه القوة والحياة. طالبًا بكل قلبه أن يتمم المسيح إماتة الأهواء لكى يحيا المسيح تمامًا فى داخله. أى أنه بقوة المسيح أو بقوة روح الحياة فى المسيح يميت حركات الطبيعة القديمة ورغباته الذاتية. إن قوة حب المسيح فى قلب الإنسان المؤمن هى التى تميت فعل الأهواء والشهوات وتحرر الإنسان من عبودية أهوائه الذاتية.

ثانيا ـ قوة الحياة الجديدة تغلب الخطية :

     يقول الرسول بولس فى رسالة رومية الإصحاح السادس: " إن كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته فدفنا معه (أو زرعنا معه) ـ بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضًا فى جدة الحياة لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضًا (متحدين معه) بقيامته عالمين هذا إن إنساننا العتيق قد صُلب معه ليبطل جسد الخطية كى لا نعود نُستعبد أيضًا للخطية" وأيضًا يقول: " كذلك أنتم أيضًا احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطية ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا" (رو 3:6ـ6،11)، وأيضًا " بل قدموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات وأعضاءكم آلات بر لله فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" (رو 13:6،14) ويقول فى رسالة كولوسى: "مدفونين معه فى المعمودية التى فيها أُقمتم أيضًا معه بإيمان عمل الله الذى أقامه من الأموات" (كو 12:2). من هذه الأقوال وغيرها نعرف أننا بالمعمودية نشترك فى موت المسيح وفى قيامته أى أننا ننال كعطية من الله حياة جديدة هى الحياة التى ظهرت بقيامة يسوع المسيح من الأموات، أى أن حياة القيامة تصل إلينا فى المعمودية وعلى هذا الأساس يقول الرسول إننا ينبغى أن نحسب أنفسنا أمواتًا عن الخطية بسبب أن إنساننا العتيق قد صُلب مع جسد المسيح المصلوب، وأن نحسب أنفسنا أحياء لله بالمسيح، أى نائلين الآن فى داخلنا حياة المسيح الحي. وهذا هو معنى أننا تحت النعمة أن حياة المسيح هى التى تملك علينا وليس نواميس أو قوانين خارجية. ولذلك فإن الخطية تنغلب بقوة حياة المسيح فينا. فعندما نعتمد باسم المسيح يضع المسيح قوة حياته أى بذرة حياة القيامة فى داخلنا. هذه هى بذرة الحياة الجديدة التى يتم تشكيل الإنسان من جديد على شكلها إلى أن يصبح إنسانًا ناضجًا فى المسيح له شكل المسيح وشبهه باستمرار عملية التجديد الداخلى.

     إذن فالمسيح يضع فينا قوة حياته الظافرة المنتصرة التى ظهرت فى قيامته، هذه  القوة هى قوة الحياة الجديدة أو قوة القيامة التى هى أقوى من الموت والتى تسرى فى الإنسان المؤمن لكى تغلب فيه قوة الخطية والموت. يحتاج الإنسان احتياجًا شديدًا أن يؤمن بأن المسيح قد أدخل فيه حياة جديدة، وهذه الحياة هى التى تطارد الموت والخطية فى داخل الإنسان.

     إننا نؤمن أننا نأخذ عربون قيامة أجسادنا منذ الآن، نأخذه فى داخلنا ـ هذا هو المسيح الحى فى الإنسان المؤمن ـ وإن كانت قيامة أجسادنا واشتراكها فى حالة المجد الآتى لن يتم الآن، إلاّ أننا حاصلون منذ الآن على ضمان تحقيق قيامتنا بالجسد بنوالنا الروح القدس الذى يجعلنا أحياء بالمسيح أمام الله.

     وعلى أساس الإيمان بقوة القيامة التى ينالها الإنسان المؤمن من المسيح، يسلّم الإنسان نفسه للصلب بإراداته. وبالإيمان بقوة هذه الحياة الجديدة يجاهد المسيحى جهاد الإيمان الحسن واثقًا بالقوة الإلهية الفائقة التى زرعها المسيح فيه وهى حاضرة فيه دائمًا، أو بتعبير آخر أنه كمُعَمْد قد لبس المسيح فى المعمودية (غلا 27:3)، ويلزم أن يستمر لابسًا للمسيح بإرادته: " ألبسوا الرب يسوع" (رو 14:13). أى أن يستمر مقدمًا نفسه للمسيح ليكون إنسانه العتيق مصلوبًا باستمرار والمسيح مالكًا على قلبه باستمرار. أى يعيش بقوة المسيح الحي فيه ويجاهد بالإيمان متكلاً على القدرة الإلهية المعطاة له فيستطيع بقوة الروح القدس الذى يشتعل بالصلاة أن يميت أعمال الجسد، فتتدفق حياة القيامة فيه أكثر فأكثر كما يقول الرسول بولس " إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون" (رو 13:8).

     وبدون الإيمان بقوة المسيح الغالبة للموت والخطية لا يستطيع الإنسان أن يغلب الخطية فالذى يلغى قوة الخطية من قلب الإنسان هى قوة أقوى من الخطية وأقوى من الموت. ولا توجد قوة تستطيع هذا إلاّ قوة الله الحى الذى أتى إلينا فى الجسد. وظهرت هذه القوة ـ قوة اللاهوت ـ علنًا فى قيامة المسيح بعد أن كانت مختفية بالصليب. والمسيح بصلبه وقيامته يقدم للإنسان ليس غفرانًا للخطايا الماضية فقط بل يقدم أيضًا قوة نصره على الموت والخطية. فلابد أن يكون للإنسان دائمًا يقين الإنسان المُعمد أى اليقين بأنه لابس المسيح أى أن له قوة حياة المسيح الإلهية الغالبة. ولكى تتحقق للإنسان قوة المسيح الغالبة يلزمه أن يسلم قلبه للمسيح بإيمان وحب ويطلب بالصلاة تدفق وسريان هذه القوة الإلهية فى عقله وعواطفه وإرادته وأعضاء جسده. وبقوة حياة المسيح هذه يعتق الإنسان من ناموس الخطية والموت "لأن ناموس روح الحياة فى المسيح يسوع قد أعتقنى من ناموس الخطية والموت" (رو 2:8).                                                                                                                                                                                                               (يتبع)____________________________________________________________________________

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات.

.‏‏Saint Mark's Orthodox Fellowship, PO Box 6192, Columbia, MD, 21045