الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء الحادى والعشرون

الفصل الرابع :مراحل الحياة الروحية

المرحلة الأولى: المعمودية

مرحلة التطهير وبداية عملية التجديد الروحى للإنسان

(الجزء الخامس)

3 ـ المسيح يخلق الإنسان الجديد (تكملة)

     المسيح بمجيئه واشتراكنا فيه يعيد إلينا الحالة التى قصدها الله لنا منذ خلقتنا. ولكننا أصبحنا نولد بدونها أى نولد فى حالة فساد أو ظلام أي حالة مرضية روحيًا.

     يقول الأب إشعياء الأسقيطى (من آباء البرية فى القرن الخامس): "حينما خلق الله الإنسان ووضعه فى الفردوس كانت حواسه سليمة وصحيحة "حسب الطبيعة". ولكن حينما سمع الإنسان صوت المجرب الذى قابله تحولت كل حواسه ضد الطبيعة. ومعنى ذلك أن الحالة التى نراها الآن ليست هى الحالة الطبيعية التى خلقنا عليها بل الحالة الطبيعية إنما هى حالتنا قبل السقوط، أى هى الحالة الأولى التى فقدناها منذ السقوط. فحالتنا الحاضرة بعد السقوط هى ضد الطبيعة أى غير طبيعية. هذا الفهم مهم جدًا، لكى ندرك ونعى أن حالة الخطية التى نعرفها ونعيش فيها ليست هى حالة الإنسان الأولى وإن كانت هى حالة الإنسان التى يولد بها الآن من أبويه لأنه يولد وارثًا للفساد فى كل كيانه البشرى. ولكن حالة الطبيعة البشرية الحقيقية هى التى خُلق عليها الإنسان والتى كان عليها فى الفردوس قبل أن تتحول حواسه. أى أن حالة الطبيعة هى الحالة الفردوسية، إذًا فالخطايا غريبة عن طبيعتنا بحسب خلقتها. الخطية جوهر غريب عن طبيعة الإنسان. وما يفعله المسيح هو أن يعطى للإنسان القوة لفصل الخطية عن أعماق قلبه وفكره وشعوره. وهذه هى قوة الحياة الجديدة وهى التى تطرد الخطية الدخيلة على الإنسان. أى يلزمنا أن نفهم ونعى ونوقن أن الخطية دخيلة على الإنسان رغم أنها متسلطة على الإنسان بسبب استعباده لقوة الشيطان.

     إذًا فالحالة الطبيعية للإنسان هى أن يكون "حسب طبيعة آدم" قبل سقوطه أو بالأحرى "حسب طبيعة يسوع" كما يقول الأب إشعياء. إن تجديد خلقة الإنسان معناه إعادة تشكيل طبيعة الإنسان على حسب الصورة الأصلية التى خُلقت عليها الطبيعة البشرية قبل أن تفسد بالخطية. والصورة الأصلية غير الفاسدة للطبيعة البشرية أى النموذج الأصلى النقى للإنسان هو شخص المسيح. هو الصورة والنموذج الأصلى الذى كان الإنسان مخلوقًا حسبه قبل أن يفسد الإنسان ولذلك جاء الرب يسوع ليعيد خلقة الإنسان على صورته. ولذلك فتجديد الإنسان يبدأ بأن تتكون فى داخل الإنسان صورة للمسيح وتكون هذه الصورة هى جنين أو بذرة الإنسان الجديد ـ كما يقول الرسول بولس " يا أولادى الذين أتمخض بكم إلى أن يتصور المسيح فيكم"، أى أن تتكون صورة المسيح فى أعماق الإنسان مثل تكوّن المولود الجديد فى رحم أمه أى أن الروح القدس يكوّن فى داخل الإنسان صورة للمسيح، لأن المسيح هو بكر الخليقة الجديدة أو أصل الإنسان الجديد. فيُعاد تشكيل النفس لتكون حسب المسيح الذى هو الأصل، الذى خُلق الإنسان على مثاله. فالإنسان يولد من جديد بأن يتصور المسيح فى داخله حتى يمكن أن يتم التشكيل حسب الصورة التى بدأت تتكون فى أعماقه والتى بها يصير الإنسان أكثر فأكثر مشابهة للمسيح، كلما ارتبط به.

     هذه هى الحياة الجديدة التى تبدأ كبذرة أو جنين فى داخل الإنسان والتى تبدأ بالإيمان بالمسيح والمعمودية والتوبة، هذه الحياة لابد أن تنمو عن طريق استمرار العلاقة مع الأصل.. أصل الصورة الإلهية فى الإنسان.. أى المسيح. واستمرار العلاقة يتم بالصلاة وبكلمة الإنجيل وطاعة وصايا المسيح. وبالصلاة والخضوع لكلام المسيح يتنقى القلب وتنمو الطبيعة الجديدة فى داخل الإنسان وتموت الطبيعة القديمة (أى الإنسان العتيق) وبنمو الجديد يضمحل العتيق ويزداد اضمحلالاً. ونمو الحياة الجديدة هو عمل إلهى يتممه الروح القدس فى داخلنا، إذ نزداد التصاقًا بالمسيح ويزداد تغيير الإنسان من الداخل ليصير أكثر فأكثر مشابهة ومطابقة لصورة المسيح التى بدأت تتكوّن فى داخله.

4ـ الحياة الجديدة والجهاد الروحى (جزء أول)

   أولا ـ ببداية الحياة الجديدة فى داخل الإنسان ينشأ صراع مع طبيعة الإنسان العتيق. والإنسان العتيق ليس شخصًا آخر غير الإنسان. الإنسان العتيق هو الإنسان نفسه فى الحالة الفاسدة حسب شهوات الغرور كما يقول الرسول: " الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور" (أف22:4). لأن سر فساده هو الغرور والانفصال عن الله والسير بحسب الأهواء الذاتية. وهذه هى حالة الإنسان قبل التجديد. فالإنسان العتيق هو الإنسان فى حالة السقوط والفساد. أما الإنسان الجديد فهو الإنسان الذى تغير من حالة الظلام والفساد بحلول المسيح فيه، أى هو نفس الإنسان بعد أن بدأ يتغير بالمسيح. فالصفات تتغير وأعماق الإنسان تتغير واتجاهاته تتغير بل إن أهدافه ونظراته تتغير، كما أن حواسه ترجع إلى حالة الانسجام والصحة وعدم المرض كما قال الأب إشعياء، لأنها مرضت لما انجذبت وراء المجرب، لذلك نقول إن الخطية دخيلة على طبيعة الإنسان حتى لا نتصور أنه عندما يجاهد الإنسان ضد الخطية كأنه يجاهد ضد طبيعته، فالجهاد ضد الخطية فى حياة المسيحى ليس جهادًا ضد الطبيعة ولكنه فقط يحتاج لقوة ليعيش فى حالة نقاوة، أى ينال قوة النقاوة من المسيح التى تمكنه من انتزاع الفساد الذى أصاب طبيعة الإنسان، ويُنتزع الفساد من الداخل ويُطرد بقوة الروح القدس الذى ينشيء صورة المسيح في الإنسان والتى نظل نتشكل على أساسها ونزداد شبهًا لها إلى أن تصير المُشابهة شبه كاملة، (أما الصورة الكاملة فتتحقق بتغيير طبيعة الجسد نفسه أى عندما تتغير خامة الجسد أيضًا حينما يصير الجسد فى حالة المجد وعدم الفساد).

     أى أننا بالمسيح يمكن أن نرجع الآن ونحن على الأرض فى الجسد إلى حالة الفردوس فى داخلنا وذلك بتجديد الروح القدس وتقديس الإنسان من الداخل ليصير فى حالة صفاء ونقاء مثل الحالة الفردوسية. أما الجسد فإنه لا يزال يحمل بقية الفساد الذى سيعتق منه بالموت لكى يتغير الجسد ليكون على صورة جسد المسيح المُمجد الآن فى السماء. إذن فالمسيح يعيدنا إلى الفردوس بل وأكثر من الفردوس؛ إنه يرفعنا إلى يمين الآب لنجلس معه فى السماويات. هذا هو مركزنا المُعطى لنا بالروح القدس والذى على أساسه نجاهد لنعيش كأبناء لله منتظرين اكتمال التغيير الذى أخذنا عربونه فى داخلنا منذ المعمودية.

     والحياة الجديدة تُسمى فى الإنجيل الحياة حسب الروح، أى حسب الروح القدس، أى الحياة التى يحركها روح الله داخل الإنسان ليحيا الإنسان ويسلك بقوة المسيح فيه. أى أن يكون المسيح هو المتملك على قلب الإنسان وأعماقه، أى لا يكون الإنسان عائشًا لذاته بل للمسيح. فالحياة حسب الروح لا تعنى حسب روح الإنسان أو حسب نفسه هو، لأن نفس الإنسان فيها فساد والخطية تبدأ في النفس قبل أن تظهر فى أعمال الجسد. فحسب الروح تعنى حسب روح الله الذى يعمل فى نفس الإنسان وعقله وضميره وجسده. أى أن روح الله يخلق فيه اتجاهات جديدة فلا يكون مركزه هو ذاته بل مركزه وغايته هو المسيح. أما الحياة بحسب الإنسان العتيق فيسميها الإنجيل الحياة حسب الجسد. والحياة حسب الجسد لا تعنى حسب الجسم ولكن تعنى أن الإنسان يكون تحت سيطرة أهوائه الذاتية وشهواته حتى ولو كانت أهواء نفسية مثل محبة المال والطمع والحسد والغيرة، كما يقول الرسول بولس (فى رسالة غلاطية 19:5) " وأعمال الجسد ظاهرة التى هى زنا عهارة نجاسة دعارة عبادة الأوثان سحر عداوة خصام غيرة سخط غضب تحزب شقاق بدعه حسد قتل سكر بطر وأمثال هذه.." ويتضح من كلام الرسول أن أعمال الجسد تشمل أفعال تتم بالجسم مثل الزنا والعهارة والدعارة... إلخ وحتى هذه تنبع من قلب شرير، كما تشمل أعمال أخرى هى عبارة عن مشاعر وأهواء نفسية وليست جسمية ومع ذلك يسميها أعمال الجسد مثل العداوة (الكراهية والبغضة) والخصام والغيرة والحسد والتحزب... إلخ وأحيانًا أفكار مثل البدعة وباختصار الأعمال المعمولة حسب أفكار الإنسان الذى يعيش لذاته سواء بكبرياء أو بغيرة أو بسخط أو يصنع انشقاقات. فحسب الجسد تعنى الحياة المنغلقة على ذاتها أو حسب الإنسان الذى يدور فى دائرة ذاته، المحب لذاته الذى يطلب تتميم مشيئته الذاتية منفصلاً عن قيادة روح الله ومدفوعًا بدوافع أنانيته وذاتيته وأهوائه وشهواته.

     أما أعمال الروح أو ثمر الروح فهى محبة فرح سلام... إلخ (غلاطية 22:5-23).                                                          (يتبع)

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات.