الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء العشرون

الفصل الرابع :مراحل الحياة الروحية

المرحلة الأولى: المعمودية

مرحلة التطهير وبداية عملية التجديد الروحى للإنسان

(الجزء الرابع)

2 ـ المسيح الغافر والشافي (جزء ثالث)

ج ـ صلاة التكريس الرهبانى:

     تعتبر الحياة الرهبانية الصحيحة محاولة مخلصة لتحقيق الحياة الجديدة التى ينالها المؤمن بالمعمودية. هناك ارتباط شديد جدًا بين المعمودية وحياة الرهبنة. إذ يسعى الراهب أن يعيش حسب الروح مكرسًا ذاته كلها وحياته للمسيح، رافضًا العالم وشهواته، وهذا يعتبر امتدادًا لموقف الموعوظ المقبل على المعمودية، ولموقف المسيحى التائب حقًا الذى يتبنى موقف الموعوظ فى المعمودية عن وعى وحرية واختيار شخصى أى أن يعيش للمسيح "ويحيا حسب وصاياه"، أى أن يعيش الإنجيل فعلاً صالبًا الجسد مع الأهواء والشهوات.

     ويلاحظ فى صلوات تكريس الرهبان والراهبات، أنها تتحدث عن مغفرة جميع الخطايا، وعن تجديد الحياة والولادة الثانية، ويُقرأ أثناء طقس الرهبنة إنجيل يوحنا أصحاح 3 عن الولادة من الماء والروح. فصلوات طقس الرهبنة تركز على تجديد الحياة الداخلية أو تجديد نعمة المعمودية. لذلك يمكن أن تعتبر الرهبنة امتدادًا لنعمة المعمودية، ويتم فيها استدعاء الروح القدس ليحل على المبتدئ وعلى الاسكيم (الاسكيم الصغير) (هذا غير الاسكيم الكبير الخاص بالرهبان المتوحدين، الذى له قوانين خاصة به تختلف عن قوانين الراهب العادى فى المجمع).

     ومن المهم أن نلاحظ أن تكريس الراهب هو تكريس روحى شخصى لله يختلف عن الرسامة الكهنوتية ـ ولذلك فالذى يقوم برهبنة الراهب ليس بالضرورة هو الأسقف، كما فى حالة درجات الكهنوت، بل يمكن أن يقوم بها أب الرهبنة. وقديمًا كان أب الرهبنة لا يحمل أى درجة كهنوتية، (مثل أنطونيوس وباخوميوس... إلخ). فالراهب هو مؤمن عادى يكرس ذاته ليحيا للمسيح بكليته، وهو ليس من الإكليروس. والخلط الحاصل فى أذهان الناس حاليًا يرجع إلى أن الرهبان يلبسون غالبًا زيًا مشابهًا لزى الكهنة عند خروجهم فى مهام خارج الأديرة. والراهب يترهب أصلاً لا ليصير كاهنًا ولا ليصير أسقفًا، بل ليتكرس للتعبد لله وليحيا له روحًا وجسدًا، ولا يليق بدعوته أن يشتهى أى رئاسة أو مجد من الناس حتى لو كان فى مجال الكنيسة. فالراهب يُكرس ليمارس الموت الحقيقى عن ذاته وعن العالم لأجل تحقيق القيامة فى حياته أى تحقيق المعمودية فى أقصى حدودها، ولأجل بنيان الكنيسة ونموها من الداخل بالصلاة، وأيضًا ليصلى لأجل خلاص العالم كله بجهاد روحى قوى يناسب الدعوة الرهبانية وهدفها.

     وليس التكريس الرهبانى فقط بل إن كل تكريس قلب، وكل تكريس حياة مثل تكريس البتولية للمسيح، وتخصيص الحياة كلها للمسيح لخدمته وسط الناس هو امتداد لنعمة المعمودية. بل إن المسيحى المتزوج إذا كرس حياته ليعيش للمسيح فى زواجه وبيته، ولا يعيش حسب روح العالم، فإنه يجدد فى نفسه نعمة المعمودية، ويمارس موتًا عن الحياة العتيقة وسلوكًا فى جدة الحياة التى أُعطيت له أولاً فى المعمودية. والحياة المسيحية عمومًا سواء فى الرهبنة أو البتولية أو الزواج لابد أن تتصف بصفات الفقر الاختيارى والتجرد، وبالعفة، وبالطاعة وإنكار الذات، حتى وإن اختلف مستوى تحقيق بعض هذه الصفات من طريق إلى آخر، ولكن الأساس واحد، لأن الحياة فى المسيح واحدة فى الأساس. " إن كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة" (2كو17:5). وأيضًا " إن عشتم حسب الجسد فستموتون ولكن إن كنتم بالروح (القدس) تميتون أعمال الجسد فستحيون" (رو13:8).

د ـ صلاة الزيجة الثانية:

     الزيجة الثانية فى نظر الكنيسة الأرثوذكسية لا تعطى فيها بركة الإكليل التى تُعطى فى الزيجة الأولى بل تصلى الكنيسة لتطلب الغفران والحرية للمتزوج ثانية لأنه لم يحتمل التعفف. وفى صلاة الزيجة الثانية يُصلى مزمور التوبة "المزمور الخمسون" بينما فى الإكليل تُصلى صلاة الشكر ويليها مباشرة قراءة رسالة أفسس التى تتكلم عن اتحاد الرجل بالمرأة كاتحاد المسيح بالكنيسة. فصلاة الزيجة الثانية يغلب عليها طابع الاستغفار والتوبة وطلب الغفران للمتزوج ثانية بعد وفاة زوجته. وبذلك فإن الزيجة الثانية تدخل تحت باب التوبة والتطهير ولذلك فإن الكنيسة فى القرون الأولى كانت تمنع المتزوج ثانية من الشركة فى جسد المسيح ودمه لمدة سنتين كفترة توبة. وهذا المنع جاء فى القانون الرابع من قوانين القديس باسيليوس الذى يقول " إن الزواج الثانى أو الثالث يستلزم توبة محددة لأنه لا يعتبر زواجًا كالأول".

     والقديس غريغوريوس النزينزى يقول " إن الزواج الأول ناموس، أما الثانى فهو حل وسماح، وأما الثالث فهو تعدى، وما يزيد عن ذلك فهو عيشة خنزيرية" (عظته على إنجيل متى 19 بخصوص الطلاق).

     وأما الزيجة الثالثة فكان يُمنع صاحبها من الاشتراك فى الإفخارستيا لمدة خمس سنوات كفترة توبة. ولهذا السبب فلا تُعطى بركة الإكليل للأرمل أو الأرملة عند الزواج مرة أخرى بعد الزواج الأول لأن بركة الإكليل تُعطى مرة واحدة كما جاء فى قوانين الكنيسة. " إن كان المتزوجون أرامل فلا يكون لهم بركة إكليل لأن هذه البركة إنما هى مرة واحدة فى الدفعة الأولى وهى ثابتة على أربابها وباقية فيهم أبدًا، بل تكون صلاة الكاهن لهم بالاستغفار. وإن كان أحد المتزوجين بكرًا فليُبارك وحده وهذه السنة للرجال والنساء جميعًا (مجموعة قوانين ب 24 فصل87:5).

     أما الزيجة الأولى (الإكليل) التى هى صورة اتحاد المسيح بالكنيسة فهى مرتبطة بسر الإفخارستيا الذى هو سر اتحاد المسيح بالكنيسة الذى هو عربون عُرس المسيح الحمل مع امرأته الكنيسة، هذا العُرس الذى سيتحقق عند مجئ المسيح فى مجده من السماء ليأخذ عروسه للاتحاد الكامل به إلى الأبد. ولذلك لن نتحدث الآن عن الزيجة الأولى ولكن سنتحدث عنها عند حديثنا عن المرحلة الثالثة، مرحلة الاتحاد أى مرحلة الإفخارستيا. ولكننا تحدثنا عن الزيجة الثانية لأنها مرتبطة بمرحلة التوبة والتطهير حتى يستعد المتزوج ثانية بالتوبة للرجوع إلى الشركة فى الإفخارستيا.

3 ـ المسيح يخلق الإنسان الجديد )جزء 1)

إن النعمة الخاصة بالمعمودية والتوبة تمحو الخطية، ولكن المسيح المُعمِد يعمل فى الإنسان عملاً آخر إضافة إلى غفران الخطية. إنه يعيد للإنسان الحالة الأولى التى خُلق عليها، والتى أفسدتها الخطية. أى أنه يخلق إنسانًا جديدًا، يقول الرسول بولس: " البسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله فى البر وقداسة الحق" (أف24:4). ويعلّم الآباء القديسون: إيرينيوس وباسيليوس وغريغوريوس النيسى وكيرلس الاسكندرى أن الرب يسوع ـ الذى هو آدم الجديد ـ يعطينا مرة أخرى حالة التكامل والصحة وعدم الفساد التى كانت لآدم الأول قبل سقوطه. وهذا ما نسمعه أيضًا فى بداية صلاة الصلح فى قداس القديس باسيليوس: [يا الله العظيم الأبدى الذى جبل الإنسان على غير فساد والموت الذى دخل إلى العالم بحسد إبليس (السقوطهدمته بالظهور المحيى الذى لابنك الوحيد ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح]. أى اننا بالمسيح ننال تجديد خلقتنا ونشترك فى عدم الفساد وعدم الموت (والموت هو ليس مجرد انفصال النفس عن الجسد ولكنه حالة داخلية ـ حالة فساد داخلى وتفكك فى الطبيعة البشرية وتهرأ ومرض وظلام، به يكون الإنسان فى حالة انفصال عن الله وفساد وتحلل طبيعته وهى الحالة التى تنتهى بموت الجسد).                                                                                                                                                                                                                                                                                                (يتبع)

____________________________________________________________________________

 

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات

)أنظر Response card).