الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء التاسع عشر

الفصل الرابع :مراحل الحياة الروحية

المرحلة الأولى: المعمودية

مرحلة التطهير وبداية عملية التجديد الروحى للإنسان

(الجزء الثالث)

2 ـ المسيح الغافر والشافي (جزء ثانى)

ا- المسيح الغافر (تكملة ما سبق):

"موهبة الدموع" لها صلة أيضًا بنعمة المعمودية أو نعمة التوبة، والقديس غريغوريوس النزينزى عندما يتكلم عن الأنواع المختلفة للمعمودية فإنه يذكر من بينها "معمودية الدموع" ويقول: " إنها معمودية شاقة، ويحصل عليها ذلك الذى يُعَوّم كل ليلة سريره وبدموعه يبل فراشه... الذى يتمثل بتوبة مَنَسَّى وانسحاق أهل نينوى، الذى ينطق بكلمات العشار فى الهيكل فيتبرر... الذى ينحنى مثل المرأة الكنعانية ويتوسل طالبًا الرحمة والفتات الذى هو طعام كلب فى شدة الجوع".

     إن الحزن المقدس أو بحسب تعبير القديس ديدوخوس " أن تنقع الأفكار (أو تغمس) فى الدموع" يطهر النفس وينيرها. ويوحنا الدرجى يقول: "إن ينبوع الدموع الذى يفيض بعد المعمودية لا يقل قوة عن المعمودية فالدموع تغسل الخطايا بعد المعمودية".... ويسمى الدموع معمودية ثانية ويقول: " لو أن الله فى رحمته لم يمنح للناس هذه المعمودية الثانية لما خلص إلاّ قليلون جدًا".

 

ب- مسحة المرضى ـ المسيح الشافى:

     المسيح المُعمِد يغفر ويشفى " وكان يسوع يطوف.. ويكرز ببشارة الملكوت ويشفى كل مرض وكل ضعف فى الشعب" (مت23:4). وعندما أرسل تلاميذه للكرازة قال لهم: " اشفوا المرضى الذين فيها وقولوا لهم قد اقترب منكم ملكوت الله" (لو9:10). والكنيسة تتبع وصية الإنجيل التى تقول: " أمريض أحد بينكم فليدع قسوس الكنيسة فيصلوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب وصلاة الإيمان تشفى المريض والرب يقيمه وإن كان قد فعل خطية تُغفر له. اعترفوا بعضكم لبعض بالزلات وصلوا بعض لأجل بعض لكى تشفوا" (يع14:5ـ16).

     إن سر مسحة المرضى فى الكنيسة الأرثوذكسية هو سر يجمع بين غفران الخطايا وشفاء الجسد. فهناك امتداد لنعمة المعمودية أى نعمة الغفران والتطهير فى سر مسحة المرضى، وهذا يعنى ضرورة التوبة والاعتراف بالخطية عند إجراء مسحة المرضى للمريض حتى تُشفى النفس من الخطية بالتوبة والغفران، وهذه هى قوة المسيح المُعمِد والغافر والرافع لخطايا العالم؛ كما أن شفاء الجسد يتم بعمل قوة المسيح الشافى. ولكى يوضح الكاهن أن المسيح نفسه وليس الكاهن هو الذى يغفر للمريض ويشفيه فإنه يضع الإنجيل على رأس المريض وهو يقول " ليس بوضع ايدينا نحن كهنتك الخطاة على رأسه متوسلين إليك عن غفران خطاياه لكن باليد العزيزة التى لهذا الإنجيل نطلب إليك"... إلخ (طلبة الصلاة السابعة من سر مسحة المرضى).

 

صلاة الإيمان تشفى المريض:

     يتضح من كلام القديس يعقوب عن مسحة المرضى أن هناك علاقة بين الإيمان والشفاء. فالصلاة التى تشفى المريض هى صلاة الإيمان، إيمان الخادم المُصلى وإيمان المريض، أو على الأقل إيمان المُصلى وإيمان أهل المريض إن لم يتوفر إيمان المريض نفسه (إذا كان طفلاً مثلاً أو فاقدًا للوعى). وكما كانت القوة الإلهية تخرج من الرب يسوع وهو على الأرض وتشفى الجميع (لو19:6، مت36:14، لو44:8)، وذلك عن طريق إيمان الذين كانوا يلمسونه مثل المرأة نازفة الدم التى قالت: " إن مسست ولو ثيابه شفيت" (مر28:5)، وقول الرب يسوع إن " قوة قد خرجت منى" عندما لمسته المرأة نازفة الدم فشُفيت فى الحال وقال لها: " ثقى يا ابنه إيمانك قد شفاك اذهبى بسلام" (لو48:8)، هكذا أيضًا لا تزال القوة الإلهية الشافية تفيض من الرب يسوع وبإسمه بالإيمان. فالقوة التى تعمل فى مسحة المرضى هى قوة المسيح شخصيًا، ولكن ينالها الذى يصلى باسم المسيح بإيمان. وبدون الإيمان تظل القوة الإلهية متوقفة عن الوصول إلى المريض للشفاء رغم أنها موجودة وحاضرة فى متناول أيدينا. وفى احيان أخرى يكون الإيمان متوفرًا ولكن الله يريد استمرار المرض فترة فى الجسد من أجل اختبار قوة الله مع استمرار ضعف الجسد، مثل ما حدث مع بولس الرسول الذى صلى ثلاث مرات من أجل الشوكة التى كانت فى جسده، فقال له الرب: " تكفيك نعمتى لأن قوتى فى الضعف تكمل". فقد اختبر الرسول فى مرضه وضعف جسده حلول قوة المسيح عليه وفى هذه الحالة وأمثالها تكون النفس من الداخل فى فرح وصحة وسلام وشفاء رغم اعتلال الجسد، ويستطيع الإنسان المؤمن أن يفتخر فى ضعفاته ويقول مع الرسول بولس: " فبكل سرور افتخر بالحرى فى ضعفاتى لكى تحل علىّ قوة المسيح لأنى حينما أنا ضعيف فحينئذٍ أنا قوى" (2كو9:12و10).

 والإيمان بقوة المسيح الشافى بواسطة الصلاة معناه أن يلجأ الإنسان المؤمن فى مرضه إلى المسيح مباشرة بطلب الخلاص والشفاء، ويطلب الكاهن فى البيت لأجل صلاة مسحة المرضى حسب وصية الإنجيل (يع4:5). ولا يليق بالمؤمن أن يفكر فى اى علاجات طبية قبل أن يلتجئ للمسيح نفسه بالصلاة أولاً وحتى إذا لجأ للطبيب البشرى فقلبه من الداخل ينظر إلى قوة الشفاء التى تُوهب من المسيح، إن لم يكن مباشرة بواسطة الصلاة والدهن بالزيت فعن طريق الوسائل العلمية التى يستخدمها الأطباء. أى أن قلبه من الداخل يظل معتمدًا على المسيح كمصدر حياته وشفاؤه واضعًا نفسه وكل ما يخصه فى يدى المخلص الأمين؛ ولا يتحول قلبه أبدًا للاعتماد على المخلوقات بل يظل اعتماده فى كل الظروف ورجاؤه متعلقًا بالرب وحده. فالمسيح هو الطبيب الشافى سواء بمسحة المرضى أو بالعلاجات الطبية " أنا هو الرب شافيك" (خر26:15).

     وقد جعل المسيح سر مسحة المرضى فى الكنيسة لغرض محدد وهو شفاء المرض، ولكن استعمال مسحة المرضى " على سبيل البركة" كما يحدث حاليًا للأسف وعدم التفكير فى دعوة الكاهن لعمل صلاة مسحة المرضى عند حدوث المرض معناه إننا لا نؤمن بفاعلية الشفاء الإلهى بواسطة مسحة الزيت التى علّمنا إياها الإنجيل والمحفوظة لنا فى تسليم الكنيسة. كما أن المسيح يهب الشفاء أحيانًا بواسطة الصلاة باسمه عن غير طريق سر مسحة المرضى. وقد حدث كثيرًا فى تاريخ الكنيسة منذ أيام الرسل ويحدث إلى الآن أن يتم الشفاء بواسطة الصلاة بإيمان يقدمها مسيحى عادى دون أن يكون كاهنًا أى بدون إجراء طقس مسحة المرضى، وهؤلاء المؤمنون هم الذين يهبهم الروح القدس موهبة الشفاء بالصلاة باسم يسوع (1كو9:12، مر18:16). ويتم الشفاء بصلاة المريض نفسه أحيانًا. فالمسيح في جميع الأحوال " هو الطبيب الحقيقى لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا" (أوشية المرضى).

ج ـ صلاة التكريس الرهبانى:

(فى الدراسة القادمة بمشيئة الله)

د ـ صلاة الزيجة الثانية:

(فى دراسة قادمة بمشيئة الله)                                                                                                                                     (يتبع)

____________________________________________________________________________

 

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات

)أنظر Response card).