الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء الثامن عشر

الفصل الرابع :مراحل الحياة الروحية

المرحلة الأولى: المعمودية

مرحلة التطهير وبداية عملية التجديد الروحى للإنسان

(الجزء الثانى)

2 ـ المسيح الغافر والشافي (جزء أول)

التحرير من سلطان الشيطان: أول شئ يحتاج إليه الإنسان فى المعمودية هو أن يتحرر من سلطان الشيطان، والمسيح وحده هو الذى يحرر الإنسان من الشيطان، وكما كان يسوع يطرد الشياطين فى فترة خدمته على الأرض فلا يزال هو نفسه يطرد الشياطين من تسلطها على الإنسان، وذلك بدعاء اسم الرب يسوع على من ينضم إلى الكنيسة لطرد الأرواح الشريرة منه. ولذلك، فالمؤمن الموعوظ قبل أن يعتمد يجحد الشيطان علنًا لأن المسيح قد طرد عنه سلطان الشيطان.

     وطرد الشيطان يتحقق بمختلف الطرق التى يجرى بها "سواء بوضع اليد أو النفخ أو الدهن بالزيت". هذا وإن جحد الشيطان يمكن أن يتجدد خلال مسيرة الحياة لأن قوات الظلمة تشكل عاملاً مضادًا يواجهنا فى مسيرة جهادنا الروحى.

     إذ أن روح الشر يعمل فى العالم، ولا ينبغى أن نقلل من قوة الشر الذى يعمل فى مختلف مجالات الحياة البشرية. وينبغى أن نميز الملامح الكتابية لرئيس هذا العالم فهو يعمل من خلال مظاهر جذابة وأحيانًا من خلال أفكار تبدو براقة ونبيلة. إنه خطرٌ جدًا، ليس فقط فى مجال الشهوات الجسدية بل وأيضًا لأنه يوحى بأفكار الكبرياء وأفكار اليأس وذلك تحت أشكال مختلفة فى مجالات الفلسفة أو الفن أو الثقافة وغيرها من مجالات التأثير فى حياة الإنسان. إنه دائمًا يدخل مسرح الحياة البشرية متنكرًا كما يقول الرسول بولس " لأن الشيطان نفسه يغير شكله إلى شبه ملاك نور" (2كو14:11). وينبغى على أبناء المعمودية أن يعيشوا دائمًا فى موقف رفض الشيطان وجحد كل أعماله وهنا ينبغى ان نتذكر أن كل التجاء إلى السحر أو العرافة أو تحضير الأرواح كل هذا وما شابهه هو رجوع إلى الخضوع لنير الشيطان وهو يعادل إنكار الإيمان بل على المسيحى أن يلجأ فى كل أمور حياته إلى إلهه الذى اعتمد باسمه، والذى بيده وحده كل سلطان فى السماء وعلى الأرض، ولا ينبغى أن يقلق من جهة المستقبل أو يخاف، لأن مستقبله هو فى يد الآب السماوى المحب والقدير، وحتى شعرة واحدة لا تسقط من رؤوسنا بدون إذن الآب. إن حياة الإيمان تعنى أن يسلّم المؤمن كل أمور الحياة الروحية والجسدية والمعيشية للإله الأمين فى عمل الخير.

ا- المسيح الغافر:

     لقد جاء المسيح لكى يرفع خطايانا ولذلك قدم نفسه ذبيحة لكى يبطل الخطية. ولأن الله يعلم أن الشيطان يستعبد الإنسان بواسطة الخطية، لذلك فالمسيح يقدم نفسه غافرًا لكل من يتوب ويؤمن باسمه. فقوة المسيح الغافرة هى قوة إلهية تحرر وتشفى الإنسان الخاطئ الذى يتوب ولذلك فالإنجيل ينادى بالتوبة والمعمودية باسم يسوع للحصول على الغفران. وهذا الارتباط بين التوبة والمعمودية والغفران يوضحه الرسول بطرس فى يوم الخمسين عندما قال للذين نُخسوا فى قلوبهم "توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا" (أع38:2). إن الله يقدم غفرانه للقلب التائب، القلب الذى نُخس فى أعماقه أو ما نستطيع أن نسميه التوبة الداخلية. لهذا القلب التائب يقول الله: " إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج وإن كانت حمراء كالدودى تصير كالصوف" (إش18:1). إن سر التوبة فى الكنيسة هو امتداد لنعمة المعمودية واشتراك فيها. وقال عنها مجمع قرطاجنة فى القرن الرابع أنها "معمودية جديدة" فالإنسان التائب يستعيد حالة البر ونعمة الحياة الجديدة التى سكنت فيه أولاً بالمعمودية ثم احتجبت بالسلوك فى الخطية.

تحديد موقفنا من المسيح : الذى اعتمد فى طفولته وقام الأشبين (الوصى سواء كان شماسًا أو أحد والدى الطفل) بالنيابة عنه بجحد الشيطان والاعتراف بالمسيح يلزم عندما يكبر أن يكون له موقف إرادى محدد من المسيح والإيمان به والحياة معه. وهذا الموقف المحدد يتم بالتوبة والإيمان لأنه إن كان الرب يسوع قد قال " من آمن واعتمد خلص"، فإن الذى لا يؤمن قبل تعميده لأنه كان طفلاً ينبغى أن يؤمن بعد أن يكبر. أى أن الإيمان والمعمودية كلاهما ضروريان للخلاص. فالإنسان المُعمَّد الذى لا يعيش فى الإيمان أو الإنسان المُعمَّد الذى لا يعيش فى علاقة شخصية مع الرب يسوع فإن فاعلية معموديته تكون متعطلة.

     ولأن فاعلية الروح القدس لا تتم بدون إرادة الإنسان وبدون إيمانه الشخصى وتوبته ورجوعه إلى الرب لكى يعيش فى الإيمان فعلاً، لذلك على كل مسيحى أن يتبنى موقف جحد الشيطان والاعتراف بالمسيح الذى تم له فى طفولته أو بمعنى آخر ينبغى أن يكون لنا احساس الموعوظ الذى يتهيأ للمعمودية. والموعوظ يؤمن بكل قلبه بالرب يسوع، والموعوظ يتوب ويترك كل مسالك الشر والخطية ويجحد الشيطان علنًا لكى يعلن قطع كل علاقة مع حياة الظلمة وكل سلوك فى الشر والخطية. والموعوظ يعترف جهرًا بالرب يسوع ويعلن إيمانه به، ويتعهد أن يسلك بحسب وصاياه ويعيش فى خدمته. هذا الموقف، موقف الدخول فى العلاقة الخاصة بالرب يسوع وإعلان التبعية له عن حب وتقدير وخضوع للمخلص الذى بذل نفسه من أجل الخطاة هو الموقف الذى ينبغى أن يتخذه كل مسيحى لتكون قوة المعمودية فعالة فيه وغير متعطلة.

     ولذلك فعند ممارسة سر التوبة فى الكنيسة ينبغى على الكاهن أن يوضح للتائبين فى أول مرة يذهبون فيها للاعتراف ضرورة تحديد موقفهم من المسيح على ضوء ما تم فى سر المعمودية من جحد للشيطان والخطية، واعتراف بالمسيح وتعهد للحياة معه. هذه النقطة هامة جدًا لأنه بدون تحديد موقف الإنسان الشخصى من المسيح يمكن أن يظل يتردد على الكاهن للاعتراف ولكن دون أن يكون جادًا فى السير مع المسيح واتباعه، ومثل هذا الإنسان لن يستطيع أن يعيش الحياة المسيحية الحقة ويجاهد بقوة الروح التى تساند الذين يعطون أنفسهم للرب يسوع بالتوبة الصادقة والعزم القلبى أن يعيشوا له ويموتوا له. لأن الذى يعتمد للمسيح فإنه يتحد بموته وقيامته أى أنه ارتبط بالمسيح ارتباط موت وحياة، ولذلك يعطيه الروح القدس قوة قيامة المسيح لكى يجاهد بها ضد قوة الشر التى تعمل فى العالم ويغلب بقوة المسيح الغالب.

وكما سبق أن ذكرنا، فإن "التوبة"، ومسحة المرضى، وصلاة الدخول فى الرهبنة وصلاة الزيجة الثانية هى امتدادات للنعمة الخاصة بالمعمودية.

التوبة : هى تغيير فى القلب وتحول للإنسان يجعله يعيش فى النور ويثبت فى النور، أو هى تحول داخلى عميق فى اتجاه حياة الإنسان، أو هى اتجاه الإنسان بكل قلبه إلى المسيح المخلص الوحيد. وبهذا فإن التائب الحقيقى يتمم ما حدث فى طقس المعمودية بالتحول من جهة الغرب أى الظلمة إلى جهة الشرق أى النور المشرق الذى هو المسيح. والإنسان عندما يقبل صوت المسيح المنادى بالتوبة فإن المسيح يعمل بالروح القدس فى داخله عملين فى وقت واحد:

     العمل الأول هو كشف رداءة حالة الإنسان فى الخطية، وحزنه الشديد وانسحاق قلبه بسبب خطاياه. والعمل الآخر: هو الرجاء الذى يضعه فى قلب الإنسان التائب، رجاء الغفران والقبول أمام الله بسبب رحمة المخلص ومحبته الشديدة للإنسان. هذان العملان أى كشف الخطية وما يصاحبها من حزن، ورجاء الغفران والقبول هما اللذان يضمنان لنا أن تكون توبتنا توبة صحيحة على أساس إنجيل المسيح. فبدون حزن ونخس القلب لا تكون هناك توبة صحيحة، وفى نفس الوقت فإن الحزن وحده بدون رجاء غفران الخطية بدم المسيح معناه أن التوبة ليست حسب إنجيل المسيح، أى توبة غير مسيحية. فنحن نحتاج للحزن والرجاء معًا. ومهما كانت الصورة التى تكون عليها التوبة فإننا نستطيع أن نقول إنها ينبغى دائمًا أن تكون حالة انكسار للقلب عند قدمى المسيح مثل المرأة الخاطئة فى بيت سمعان الفريسى. أى ينبغى أن يتقابل التائب فى توبته مع المسيح. إن الاحساس بالمسيح المخلص والغافر، حتى لو كان إحساسًا ممزوجًا بالحزن وانكسار القلب ضرورى للتوبة المسيحية فهو انكسار أمام شخص المسيح. ومادام الإنسان التائب يحس بالمسيح فى قلبه فلا يمكن أن ييأس مهما كانت كثرة أحزانه ودموعه.

     والاعتراف السليم هو اعلان توبة ورجوع إلى المسيح أمام الكاهن الذى عندما يرى توبة الإنسان الآتى للاعتراف فإنه يصلى لأجله ويضع يده على رأسه لينال غفرانًا من الله بواسطة الكاهن الذى أئتمنه المسيح على ذلك وهذا ما يعرف بصلاة التحليل أو حل الخطايا (فك أو رفع وتقطيع رباطات الخطايا)، بقوة الروح القدس العامل فى التوبة فى قلب الإنسان التائب، والعامل فى خادم المسيح بالموهبة المعطاة له.

                                                                                                                                                                 (يتبع)

_____________________________________________________________________________

 

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات )أنظر Response card).