الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء السابع عشر

الفصل الرابع :مراحل الحياة الروحية

المرحلة الأولى: المعمودية

مرحلة التطهير وبداية عملية التجديد الروحى للإنسان

(الجزء الأول)

     أوصى المسيح تلاميذه قائلاً: " اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (مت 19:28). ويقول الرب لنقوديموس " إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يو5:3). وبهذا أصبح الماء علامة الخلاص بل أن الرب يسوع نفسه قبل أن يبدأ خدمته كمسيا اعتمد فى الأردن وصار عماده هو الأساس الذى تبدأ منه معموديتنا نحن فى الماء بل إن الماء تقدّس وأصبح واسطة للتطهير والتجديد منذ أن نزل الرب يسوع بجسده داخل مياه الأردن كما يقول القديس أغناطيوس الأنطاكى : "إن المسيح طهر الماء بآلامه"[1] وهنا يوجد علاقة بين الماء وبين آلام المسيح التى احتملها على الصليب لأن المسيح فى نزوله إلى الأردن كان يقوم بعمل تمهيدى لمعموديته النهائية ومعمودية المسيح النهائية هى موته على الصليب كما يقول: " لى صبغة اصطبغها وكيف انحصر حتى تكمل" (لو50:12)، وكلمة صبغة هى نفسها كلمة معمودية أى أن الرب يسوع يقول: "لى معمودية اعتمد بها" وكان يشير بذلك إلى اصطباغه أو معموديته بالدم على الصليب فالمسيح بصلبه وسفك دمه اعطانا قوة التطهير حتى أن من يؤمن به ويأتى لينزل إلى الماء باسمه لكى يُدفن مع المسيح فإن المسيح يعمل فيه بواسطة الماء لتطهيره وغفران خطاياه وتجديده.

     ولأن المؤمن يعتمد فى الماء على مثال معمودية المسيح فى الأردن لذلك فإن جرن المعمودية يُسمى فى طقس الكنيسة "الأردن". فقد أصبح الأردن إذن موجودًا فى الكنيسة فى كل مكان ولم يعد فقط نهرًا موجودًا فى فلسطين لأن فى كل جرن معمودية فإن الذين يعتمدون فى هذا الجرن يشتركون فى معمودية المسيح نفسه فى الأردن.

     والكنيسة الأرثوذكسية تعطى اهتمامًا كبيرًا لعيد معمودية المسيح "عيد الغطاس"، وتسميه "عيد الأردن". وطقس الكنيسة يُحتم أن توضع صورة المسيح وهو يعتمد من يوحنا فى الأردن أمام جرن المعمودية لكى تنبه أذهان المعمدين أنهم سيعتمدون على مثال معمودية المسيح بل ويشتركون فى معموديته. وفى عيد الغطاس تُصلى الكنيسة على المياه صلوات خاصة وتستدعى الروح القدس لتقديس المياه لتكون للتطهير والغفران والشفاء وهى الصلاة المعروفة "بلقان الغطاس". وواضح أن الكنيسة تستمد من نزول المسيح إلى الماء وتقديسه له بدخوله فيه، قوة تطهير بواسطة الماء تستمر فى حياة المؤمنين فى كل عصر، وذلك طبعًا بعمل الروح القدس الذى تطلبه الكنيسة ليحل على الماء ويجعل فيه قوة التطهير والتقديس التى تمت لمياه الأردن نفسه بنزول المسيح فيه. إذن فلا يزال المسيح يقدس المياه للذين يتوبون ويؤمنون ويعتمدون طالبين التطهير والغفران.

عيد الظهور الإلهي:

     والكنيسة الأرثوذكسية تربط بين المعمودية فى الماء وبين سر النور أو الاستنارة ولذلك فإن عيد الغطاس فى الكنيسة الشرقية يسمى "عيد الأنوار"، أو عيد الظهور الإلهى "الثيؤفانيا"، وذلك لأنه فى معمودية المسيح قد ظهر الثالوث القدوس، أى استعلن حضور الله بمناسبة المعمودية: استعلن الآب كصوت من السماء يشهد للمسيح الابن الذى يعتمد فى الماء، والروح القدس آتيًا عليه مثل حمامة. وهذا إعلان وظهور للثالوث الأقدس. ولذلك فكما حدث فى معمودية المسيح هكذا يحدث فى معمودية المؤمنين، إذ يدخلون فى شركة مع الآب والابن والروح القدس وتنفتح السماء لتشهد لمن يعتمد أنه ابن لله بالمسيح. وهكذا فإننا نعتمد باسم الآب والابن والروح القدس ويدخل النور الإلهى فى حياة الإنسان المُعَمد ويبدأ الإنسان الحياة فى النور ويصير ابنًا للنور كما يقول المسيح " آمنوا بالنور لتصيروا أبناء النور" (يو36:12). وكما يقول الرسول بولس: " شاكرين الآب الذى أهلنا لشركة ميراث القديسين فى النور" (كو12:1). والدخول فى شركة ميراث النور أى شركة الحياة فى بنوة الله تتم بواسطة قبول الحياة الإلهية من المسيح بالإيمان والمعمودية.

     إن التأكيد على النور والاستنارة فى صلوات المعمودية وخاصة الصلاة من أجل الموعوظين الداخلين إلى الكنيسة، يجعلنا فى مأمن من خطر النظرة المادية الصرف لسر المعمودية، وينبهنا أننا ينبغى أن نركز انتباهنا فى المسيح الروحى، والذى ينير القلب بنور لاهوته ويجدد الحياة ويطهرها من الظلمة التى فيها. إن الاتصال بالرب يسوع كمُعَمِّد لنا، والذى هو نفسه نبع ماء الحياة، هذا الاتصال هو نقطة البداية لكل حياتنا الروحية.

1 ـ النعمة المُجَدِّدة فى المعمودية

     النعمة التى ينالها الإنسان بالمعمودية هى "النعمة الأولى" لأنها النعمة التى تُدخِل حياة المسيح إلى الإنسان. هذه النعمة المُجدِّدة لا ينالها الإنسان مرة واحدة فقط بالرغم من أن الإنسان لا يعتمد إلا مرة واحدة. ففى المعمودية تبدأ عملية تجديدنا ولكن عملية تجديدنا تستمر طوال حياتنا على الأرض، ويمكن أن يفقد الإنسان هذه النعمة إذا انفصل عن مصدر التجديد "المسيح"، ولكن يمكن استرجاع هذه النعمة بالتوبة الصادقة والرجوع الصادق إلى الرب الذى سبق أن أنار قلوبنا، ولذلك فقد أطلق بعض آباء الكنيسة وصف المعمودية الثانية على التوبة ـ التوبة تجديد للمعمودية ـ وبعض الآباء تكلم عن دموع التوبة كتجديد لقوة المعمودية ـ وفى الحقيقة أن التوبة هى عمل الروح القدس فى القلب فهى ثمرة الروح نفسه الذى جدد الإنسان أولاً فى المعمودية .

     إن الروح القدس يعمل فى ماء المعمودية ولذلك فإن المعمودية ليست ولادة من الماء فقط ولكنها ولادة من الماء والروح. ولكن ينبغى أن نميز بين عمل الروح فى المعمودية لأجل الحصول على البنوّة وبداية الحياة الجديدة وبين عطية الروح القدس الذى يسكن فى المعمد بعد خروجه من الماء أى "نعمة يوم الخمسين"، وهذه سنتحدث عنها فى المرحلة الثانية ولكن يكفى أن نقول الآن إن الروح القدس يعمل فى الإنسان ليجتذبه إلى المسيح بالإيمان والتوبة ويعطيه البنوّة بالمعمودية، ثم بعد ذلك يسكن الروح القدس فى الإنسان الذى نال البنوّة ليعيش فى شركة حب مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح.

معمودية الدم أو الاستشهاد :

     حدث فى تاريخ الكنيسة فى عصور الاضطهاد والاستشهاد أن أناسًا آمنوا بالمسيح دون أن تكون لهم فرصة المعمودية فى الكنيسة ثم قدموا حياتهم للشهادة للمسيح وسفكت دماؤهم من أجل اعترافهم العلنى بالمسيح، هؤلاء اعتبرتهم الكنيسة أنهم قد اعتمدوا فى دمائهم مثل معمودية المسيح على الصليب. ومعمودية الدم لا تقل قوة وفاعلية عن المعمودية العادية بل تزيد لأننا عندما نعتمد فى الماء فإننا نُدفن رمزيًا مع المسيح لنقوم معه ولكن الذى سفك دمه من أجل المسيح فإنه قد اشترك مع المسيح فى الموت فعليًا وصار اتحاده بالمسيح اتحادًا كاملاً، ومثل هذا الإنسان أُعطَى أن يجوز مراحل الحياة الروحية من بداية الإيمان حتى الوصول إلى الاتحاد بالله فى فترة قصيرة. فإن الذى يقدم ذاته للموت الفعلى من أجل المسيح، لا شك أنه امتلأ من الروح القدس روح الذبيحة وتقديم النفس من أجل تمجيد الله.

معمودية النار :

     يتحدث الإنجيل فى (لوقا16:3) عن معمودية النار "سيعمدكم بالروح القدس ونار" ولقد فهم بعض آباء الكنيسة كلمة نار، على أنها غير المعمودية بالروح القدس بل على أنها اشتعال نار الروح القدس فى الإنسان لكى تحرق كل تبن فيه أى كل جذور وبقايا الشر فى الإنسان وتقدسه تقديسًا كليًا. ويرى أوريجينوس والقديس إيلارى أسقف بواتييه والقديس امبروسيوس أن كلمات الإنجيل هذه عن النار التى يشعلها المسيح أو يعمّد بها تشير إلى التطهير الكلى للنفوس والتحطيم النهائى للخطية.

ثلاث عناصر رئيسية فى المعمودية:

     يمكن أن نميز ثلاث عناصر رئيسية فى طقس المعمودية وكذلك فى نعمة المعمودية بالمعنى المتسع، وهى:

أ ـ التحرير من سلطة الشيطان، أى المسيح الغافر والشافى، وهذا العنصر يظهر فى طقس المعمودية على صورة صلوات طرد الشياطين، وطقس جحد الشيطان.

ب ـ خلق إنسان جديد أو بداية تكوين صورة المسيح فى داخل الإنسان.

ج ـ ثم اندماج الإنسان فى المسيح، وهذا يتم بعمل الروح القدس فى مياه المعمودية.

     وسنلاحظ فيما بعد أن التوبة، ومسحة المرضى، والرهبنة، وصلاة الزيجة الثانية هى فى ذهن الكنيسة امتدادات لنعمة المعمودية.

     وأيضًا ففى أى لحظة يستطيع كل مسيحى أن يُجَدد فى نفسه نعمة معموديته إذا وجه قلبه من الداخل وصلاته نحو هذا الهدف.     (يتبع)



37 الرسالة إلى الأفسسيين XVIII,2.