الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء السادس عشر

الفصل الثالث

مراحل الحياة الروحية

    منذ بداية الكنيسة يمكننا أن نلاحظ ما يمكن أن يسمى أنه مراحل للحياة الروحية أى مراحل تصف نمو حياة الإنسان فى المسيح.

فى عصر كنيسة الرسل وعصر الآباء (أنظر الجزء السابق أى الخامس عشر)

أسرار الكنيسة ومراحل الحياة الروحية:

     إن تقسيم الكنيسة لمراحل الحياة الروحية يمكن أن نجده فى كتب الخدمات الطقسيه التى تحوى الممارسات الروحية التى تمارسها الكنيسة مع الأعضاء الداخلين فيها منذ بداية حياتهم حتى نهاية غربتهم على الأرض[1].

     إن الترتيب الذى به تعطى الكنيسة الأسرار للداخلين فيها يعبّر فى فكرها عن المراحل المتصاعدة فى نمو النفس الروحى وتقديسها. لذلك فيمكننا أن نقول إن أسرار المعمودية والمسحة (الميرون) والإفخارستيا هى ثلاث مراحل أساسية فى طريق الاتحاد بالله . وبقية الأسرار الأخرى وغيرها من الممارسات التى تمنحها الكنيسة فى حياة المؤمنين يمكن أن ترتبط بواحد أو آخر من هذه الأسرار والمراحل.

     فالتوبة وطقس صلاة الزيجة الثانية والقنديل (مسحة المرضى) وطقس صلاة الدخول فى الرهبنة كل هذه مرتبطة بالمعمودية.

     وصلاة الإكليل (الزواج الأول) والمعتبر أصلاً أنه الزواج الوحيد وسر الكهنوت مرتبطان بالإفخارستيا.

      وسر الكهنوت مرتبط بمسحة الروح القدس بالإضافة إلى ارتباطه بسر الإفخارستيا.

     وليست الأسرار فقط بل كل نواحى الصلاة فى الكنيسة. فى أعيادها وفى تسابيحها وكل ممارسات الكنيسة تدور حول هذه الأسرار الثلاثة. فكل أعياد الكنيسة سواء كانت خاصة بحياة الرب يسوع أو العذراء، أو الملائكة أو القديسين يكون فيها الاحتفال بإقامة سر الشكر أى الافخارستيا. بل إننا نجد أن هذه الأسرار الثلاثة مجملة كلها ومجموعة فى الليتورجيا الإلهية (القداس الإلهى). فالقسم الأول من القداس يسمى قداس الموعوظين لأنه كان يسمح للموعوظين الذين يهيئون للمعمودية أن يحضروا هذا الجزء من القداس ثم يخرجون.

     والجزء من القداس الذى يبدأ بـ "أين هى قلوبكم" والذى يصل إلى قمته فى استدعاء الروح القدس على المؤمنين وعلى القرابين، هذا الجزء يمثل مسحة الروح القدس، لأن الروح القدس يحل فيه كل مرة وعلى المؤمنين وعلى القرابين. أما الجزء الأخير من القداس والذى يتم فيه تقسيم الجسد والشركة أى التناول من الجسد والدم هذا يمثل سر الإفخارستيا نفسه الذى هو وليمة عشاء الحمل المذبوح، وليمة الاتحاد بالله بواسطة جسد المسيح ودمه المُمَجدين.    

قلنا إن (1) المعمودية (2) ومسحة الروح القدس (3) والإفخارستيا تمثل المراحل الثلاث فى الحياة الروحية.

فهناك نعمة خاصة بالمعمودية.

ونعمة خاصة بالمسحة ـ نستطيع أن نسميها نعمة يوم الخمسين.

ونعمة خاصة بالافخارستيا هى النعمة الفصحية (البصخة).

     فى ترتيب الأسرار تعطى مسحة الروح القدس للمعمد قبل اشتراكه فى الافخارستيا (قبل التناول). وهنا قد نلاحظ أنه بالنسبة للرسل القديسين قد أُعطيت نعمة يوم الخمسين بعد اشتراكهم فى العشاء الربانى أى بعد اشتراكهم فى نعمة الفصح. ولكن هذا يبدو صحيحًا فى الظاهر فقط لأنه فى وقت تأسيس العشاء الأول وحدوث الصلب والقيامة نال الرسل اختبارا غير كامل للنعمة الفصحية، ورغم أنهم اشتركوا فى العشاء وفى فرح رؤية المسيح بعد قيامته لكنهم لم يكونوا قد وصلوا بعد إلى المشاركة التامة فى تضحية ذبيحة المسيح ذاتها. فقد عرفوا ملء نعمة الفصح فى نهاية حياتهم عندما قدموا حياتهم للموت وكان هذا هو اشتراكهم فى ذبيحة المسيح نفسه ، فكان يوم الخمسين بالنسبة لهم هو الإعداد الضرورى لملء النعمة الفصحية. تمامًا كما أن موهبة الروح القدس بالنسبة لنا هى الشرط الضرورى لحياة إفخارستية أى حياة اتحاد تام بالرب.

أوجه ثلاث لنعمة واحدة:

     النعم الثلاث: النعمة الخاصة بالمعمودية والنعمة الخمسينية والنعمة الفصحية هى فى الحقيقة ثلاثة أوجه لنعمة إلهية واحدة ولا يمكن فصلها بعضها عن بعض. وحينما نقول إنها تمثل فى ذهن الكنيسة تدرجًا تصاعديًا فإننا نقصد أنه خلال سير ونمو حياة النفس العادية نموًا طبيعيًا وغير مضطرب فإن كل وجه من هذه الأوجه الثلاثة للنعمة الواحدة يكون أو يجب أن يكون هو الوجه الغالب فى وقته وفى دوره.

ثلاث لحظات في حياة المسيح نفسه:

     وهذه النعم الثلاث تعبر عن ثلاث لحظات فى حياة الرب يسوع نفسه. وهذا أمر فى غاية الأهمية يجب أن ننتبه إليه، لأن اختباراتنا الروحية الخاصة هى انعكاسات ضعيفة لحياته هو شخصيًا، وتنبع مباشرة منه. هذه اللحظات الثلاث فى حياة الرب يسوع التى تعبر عنها هذه النعم الثلاث هى:

1ـ اتصاله بمياه المعمودية.

2ـ نزول الروح عليه بعد المعمودية وما تم بعد ذلك من إرساله الروح لنا.

3ـ تقديم نفسه ذبيحة فصحية.

     + فالمسيح المعمد (وهو أيضًا المسيح الشافى والغافر).

     + والمسيح مرسل الروح.

     + والمسيح الحمل الفصحى أو فصحنا الحقيقى.

     هذه ثلاثة أوجه فى حياة ربنا يسوع المسيح واختبار هذه الأوجه داخليًا فى حياتنا، يكوّن الحياة الروحية للمسيحى.

 

أرتباط مراحل الحياة الروحية بالأسرار:

     الإنسان الذى يدخل إلى كنيسة المسيح ليسير فى طريق ملكوت الله يبدأ طريقه بالتوبة والإيمان بالرب يسوع المسيح، هذا تسميه الكنيسة "الموعوظ". والموعوظ عندما يعلن إيمانه بالمسيح تعمده الكنيسة ثم بعد خروجه من المعمودية تعطيه الروح القدس بمسحة الميرون، وبعد ذلك يصبح مؤهلاً لأن يتحد بالرب فى سر الإفخارستيا. هذه الأسرار الثلاثة التى ينالها المؤمن الداخل إلى الكنيسة وينالها بهذا الترتيب:

1 ـ المعمودية.

2 ـ وتكملتها نوال الروح القدس أى الميرون.

3ـ والتكملة النهائية هى الاشتراك فى جسد المسيح ودمه والاتحاد به.

     هذه الأسرار الثلاثة وبهذا الترتيب التى تُعطى به للموعوظ تعبّر عن المراحل المتتالية التى تسير فيها النفس فى نموها الروحى وتقديسها. فالإنسان المسيحى يبدأ تجديده بالإيمان والمعمودية ليصير فى علاقة جديدة مع الله هى علاقة البنّوة، ثم ينال الروح القدس ليسكن فى داخله ويعطيه استنارة داخلية حتى يستطيع أن يعيش حسب الروح بالقوة التى يهبها له الروح القدس. وأخيرًا فإن عطية الروح القدس توصلنا إلى اتحاد حقيقى بالمسيح لنكون معه روحًا واحدًا، هذا الاتحاد الذى سيتحقق بالصورة الكاملة عندما تتغير أجسادنا وتتمجد متحدة مع نفوسنا عند مجيء الرب يسوع ليشركنا فى مجده الكامل. هذا الإتحاد الذى نأخذ عربونه هنا فى سر الإفخارستيا.

                                                            (ينتهى بذلك الفصل الثالث من الكتاب ونواصل نشر الفصل الرابع قريبا بمشيئة الرب)



[1] هذه الفكرة عن تقسيم الحياة الروحية على أساس الترتيب الذى تتم به ممارسة أسرار الكنيسة للمُعمَّدين هى فكرة المتنيح الأرشمندريت ليف جيلليه (راهب من الكنيسة الشرقية) وقد سجلها فى كتابه: Orthodox spirituality الذى نُشر بالإنجليزية سنة 1945 بلندن.