الروحانية الأرثوذكسية

د. نصحي عبد الشهيد

الجزء الخامس عشر

الفصل الثالث

مراحل الحياة الروحية

    منذ بداية الكنيسة يمكننا أن نلاحظ ما يمكن أن يسمى أنه مراحل للحياة الروحية أى مراحل تصف نمو حياة الإنسان فى المسيح.

فى عصر كنيسة الرسل:

     فنلاحظ فى الرسالة إلى العبرانيين تمييزا بين الطفل الذى يتناول اللبن لأنه لا يزال عديم الخبرة فى كلام البر وبين البالغ أو الناضج أو الكامل وهو الذى بسبب التمرن قد صارت له الحواس المدربه للتمييز بين الخير والشر " لأن كل من يتناول اللبن هو عديم الخبره فى كلام البر لأنه طفل وأما الطعام القوى فللبالغين (الكاملين) الذين بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة على التمييز بين الخير والشر" (عب 5: 13، 14). ويميز الرسول أيضًا بعد ذلك بين كلام بداءة المسيح ويقصد به بداية الإيمان بالمسيح بما يشتمل عليه من توبة ونوال المعمودية... الخ وبين الكمال أو "التقدم إلى الكمال"، " لذلك ونحن تاركون كلام بداءة المسيح لنتقدم إلى الكمال" (عب6: 1).

     وفى الرسالة إلى أفسس يصلى الرسول بولس من أجل الذين سبق أن آمنوا بالرب يسوع، لكى ينالوا أيضًا استنارة داخلية فى معرفة الله. هذه الاستنارة التى فيها يكشف لهم الروح عن "رجاء الدعوة" التى دعوا إليها، ويكشف لهم "غنى مجد ميراث الله فى القديسين" ويكشف لهم أيضًا عظمة قدرة الله الفائقة نحو المؤمنين إلخ (انظر أف1: 17ـ20). ونلاحظ هنا أن الرسول يميز بين بداية الإيمان والمحبة وبين الحصول على استنارة لعيون القلب الداخلية وذلك بفعل الروح القدس الذى يسميه هنا روح الحكمة والإعلان.

     وفى الإصحاح الثالث من نفس الرسالة يحنى ركبتيه أمام الآب لكى يعطى للمؤمنين ما يسميه "تأييدًا بالقوة فى الإنسان الباطن" وذلك بعمل الروح القدس. وهذا التأييد فى الإنسان الباطن يحقق فى المؤمنين "حلول المسيح فى قلوبهم بالإيمان". ويذكر بعد ذلك " محبة المسيح الفائقة المعرفة" ويليها " الامتلاء إلى كل ملء الله" (انظر أف3: 14ـ20).

     وهذا يوضح لنا أن الرسول يسعى بالكرازة والتعليم وأيضًا بالركوع والصلاة أن يتقدم المؤمنون وينموا بعد بداية دخولهم فى المسيح بالإيمان حتى يصلوا إلى حالة الامتلاء بكل ملء الله. وهذا أيضًا يمكن أن نلاحظ مثله فى الإصحاح الرابع حيث يتضح أن الهدف من وراء صعود المسيح وانسكاب الروح القدس هو تكميل بنيان جماعة المؤمنين ليصلوا إلى قياس قامة ملء المسيح (أف4: 10ـ16).

     ويوحنا الرسول أيضًا يذكر فى رسالته الأولى ما يمكن أن يعتبر أنه مرحلتان فى الحياة المسيحية: مرحلة الأحداث ومرحلة الآباء. فالأحداث هم الداخلون حديثًا فى الإيمان بالمسيح وتتميز هذه المرحلة بالقوة عن طريق الخضوع لكلمة الله، وغلبة الشرير. والآباء هم المتقدمون فى الايمان والمعرفة نتيجة الثبات فى المسيح وفى طاعة وصيته. لذلك يقول لهم " عرفتم الذى من البدء" أى عرفتم أن يسوع هو كلمة الله أو هو الكلمة الذى به كان كل شئ وهذه المعرفة ليست معرفة عقلية ولا نظرية بل تأتى من استنارة القلب والعقل بواسطة الروح القدس عند الذين يطيعون وصايا الرب يسوع، فيسميهم الرسول يوحنا آباء لأنهم متقدمون فى حياتهم فى المسيح.

     هذا وقد كانت الكنيسة الأولى تشترط فى من يُختار لأية خدمة فى الكنيسة ابتداء من خدمة الشماس أن يكون من المتقدمين فى الإيمان من المشهود لهم والمملوئين من الروح القدس (انظر أع3:6ـ8). وهذا ما ينبغى أن تسير عليه الكنيسة فى كل عصر ـ ويوصى الرسول بولس فى اختيار الأسقف أن لا يكون "حديث الإيمان" أى لابد أن يُختار من بين المؤمنين الناضجين والمتقدمين فى الحياة الروحية (انظر 1تى3: 6).

عصر الآباء:

     وبعد عصر كنيسة الرسل نجد هناك محاولات أيضًا للتمييز بين مراحل متتالية فى الحياة الروحية: فإن كليمنضس الأسكندرى يذكر أن هناك ثلاث مستويات فى الحياة المسيحية: المرحلة الاولى هى مرحلة: "الداخلين": وهى مرحلة يصفها أنها تتميز أساسًا بممارسة الوصايا أو السلوك  بالوصايا. المرحلة الثانية: ويسميها " المرحلة المتوسطة " وهى مرحلة التأمل وقمع الأهواء الداخلية. المرحلة الثالثة: ويسميها " مرحلة الكاملين " وتتميز بمعرفة اختبارية حقيقية لله ويسميها مرحلة المعرفة الإلهية أو اللاهوتية. ويتفق مع كليمنضس فى هذا التقسيم غيره من بعض آباء  الأسكندرية، وديودخوس الفوتيكى .

     ويقسم القديس باسيليوس ومعه يوحنا كاسيان الحياة المسيحية إلى مراحل ثلاثة: 1ـ المبتدئون. المختبرون (المتمرسون أو المهرة)  الكاملون. وديوناسيوس الأريوباغى يميز بين ثلاث مراحل فى الطريق الروحى وهى مراحل: (1) التطهير  (2) الاستنارة   (3) الاتحاد. وهذه المراحل الثلاث التى هى من أصل شرقى أخذها الغرب المسيحى وأصبحت هى التقسيم السائد فى الروحانيه المسيحية الغربية وذلك منذ القرن السادس تقريبًا.

     هذه التقسيمات كلها تعود وتتكرر فى عصور مختلفة أحيانًا بنفس الأسماء وأحيانًا تحت أسماء مختلفة أو مشابهة، وهى بلا شك تحوى بذرة من الحق، ولكن لا يمكن إعطاء قيمة مطلقة لأى تقسيم، لأن الحالات المختلفة تتداخل فى بعضها البعض. فالنفس ترتفع وتهبط من مرحلة إلى أخرى بدون قاعدة ثابتة أو بدون قانون ثابت. ومن المهم ان نلاحظ أيضا بالإضافة إلى ذلك أن هذه التقسيمات التى بدأت المحاولة بها بعد العصر الرسولى تعبّر عن حالات للنفس أكثر مما تعبر عن حقائق ثابتة لعمل الله فى  النفس. إنها تُبيِّن بعض لحظات اختبارنا البشرى اكثر مما تبين لحظات فى حياة مخلصنا نفسه، أى أنها تدور حول محور بشرى أكثر مما تدور حول محور إلهى. وأخيرًا فإن هذه التقسيمات تمثل آراء ذات قيمة لكتاب روحيين بارزين ولكننا لا نستطيع ان نصفها بأنها تحظى باعتراف الكنيسة رسميًا بها.

     ولكن من الممكن أن نجد دليلاً للحياة الروحية على ضوء تعليم الكنيسة الرسمى وفى نفس الوقت هو قريب من هذه التقسيمات السابقة فى أوجه كثيرة على أن يؤكد هذا التقسيم الروحى فاعلية عمل الله فى الإنسان أكثر مما يؤكد على الحالة النفسية للإنسان وهو سائر فى الطريق.

أسرار الكنيسة ومراحل الحياة الروحية:

     إن تقسيم الكنيسة لمراحل الحياة الروحية يمكن أن نجده فى كتب الخدمات الطقسيه التى تحوى الممارسات الروحية التى تمارسها الكنيسة مع الأعضاء الداخلين فيها منذ بداية حياتهم حتى نهاية غربتهم على الأرض[1].

     إن الترتيب الذى به تعطى الكنيسة الأسرار للداخلين فيها يعبّر فى فكرها عن المراحل المتصاعدة فى نمو النفس الروحى وتقديسها. لذلك فيمكننا أن نقول إن أسرار المعمودية والمسحة (الميرون) والإفخارستيا هى ثلاث مراحل أساسية فى طريق الاتحاد بالله . وبقية الأسرار الأخرى وغيرها من الممارسات التى تمنحها الكنيسة فى حياة المؤمنين يمكن أن ترتبط بواحد أو آخر من هذه الأسرار والمراحل.

     فالتوبة وطقس صلاة الزيجة الثانية والقنديل (مسحة المرضى) وطقس صلاة الدخول فى الرهبنة كل هذه مرتبطة بالمعمودية.

     وصلاة الإكليل (الزواج الأول) والمعتبر أصلاً أنه الزواج الوحيد وسر الكهنوت مرتبطان بالإفخارستيا.

      وسر الكهنوت مرتبط بمسحة الروح القدس بالإضافة إلى ارتباطه بسر الإفخارستيا.

     وليست الأسرار فقط بل كل نواحى الصلاة فى الكنيسة. فى أعيادها وفى تسابيحها وكل ممارسات الكنيسة تدور حول هذه الأسرار الثلاثة. فكل أعياد الكنيسة سواء كانت خاصة بحياة الرب يسوع أو العذراء، أو الملائكة أو القديسين يكون فيها الاحتفال بإقامة سر الشكر أى الافخارستيا. بل إننا نجد أن هذه الأسرار الثلاثة مجملة كلها ومجموعة فى الليتورجيا الإلهية (القداس الإلهى). فالقسم الأول من القداس يسمى قداس الموعوظين لأنه كان يسمح للموعوظين الذين يهيئون للمعمودية أن يحضروا هذا الجزء من القداس ثم يخرجون.

     والجزء من القداس الذى يبدأ بـ "أين هى قلوبكم" والذى يصل إلى قمته فى استدعاء الروح القدس على المؤمنين وعلى القرابين، هذا الجزء يمثل مسحة الروح القدس، لأن الروح القدس يحل فيه كل مرة وعلى المؤمنين وعلى القرابين. أما الجزء الأخير من القداس والذى يتم فيه تقسيم الجسد والشركة أى التناول من الجسد والدم هذا يمثل سر الإفخارستيا نفسه الذى هو وليمة عشاء الحمل المذبوح، وليمة الاتحاد بالله بواسطة جسد المسيح ودمه المُمَجدين.                                                                                                                      (يتبع)



[1] هذه الفكرة عن تقسيم الحياة الروحية على أساس الترتيب الذى تتم به ممارسة أسرار الكنيسة للمُعمَّدين هى فكرة المتنيح الأرشمندريت ليف جيلليه (راهب من الكنيسة الشرقية) وقد سجلها فى كتابه: Orthodox spirituality الذى نُشر بالإنجليزية سنة 1945 بلندن.

______________________________________________________________________________

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات سواء للنشر أو للمراسلة الخاصة.

.‏‏Saint Mark's Orthodox Fellowship, PO Box 6192, Columbia, MD, 210