خواطر مسافر إلي النور (٧٦) بقلم د. رءوف إدوارد

ذكري الأربعين لإستشهاد البار أبيفانيوس

" ويعتق أولئك الذين - خوفاً من الموت - كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية"

( عـبرانيين ١٥:٢ )

===============

توضح الآية ( عـبرانيين ١٥:٢) أن عبودية الإنسان في هذه الحياة هي العبودية للخوف . وأن الخوف هو أساساً من الموت . إن آفة الحياة الدنيا هي القلق وعدم التيقن من أي شىء في هذا العالم إلي الدرجة التي تذهب بسلام الإنسان . أين هو ذاك الإنسان الذي يثق أنه لن يُصاب بمرض أو لن يفقد مال أو يضمن دوام موارد أمواله أو أن يظل الآخرين علي وفائهم و لن يخونه إنسان ؟ . العالم بكل ما فيه لا يمنع قلق إنسانٍ أو يمنح سلاماً لإنسانٍ . هذه هي عبودية الإنسان التي وصفتها الآية . إن كل أسباب قلق الإنسان التي ذكرنا بعضها ذات مرجع واحدٍ وهو موت الإنسان المحتوم . فالموت هو الخسارة الكبري والوحيدة التي تندرج تحتها كل خسارة وأي خسارة للإنسان في حياته الدنيا مهما تعددت أنوع خسارته . الموت هو الفقد الأكبر وأي خسارة هي الفقد الأصغر. وبقليل من التمعن يتضح أن كل جهد الإنسان مهما تنوعت أشكاله ، كان ولازال يصُّب في غاية واحدة وهي غلبة الموت أو تأجيله بإستخدام العلم أو تكديس مصادر القوة والسيطرة درءاً للخوف ، أو الإستغراق في الملذات لنسيان ألم مجابهة النهاية المحتومة . لذلك يري البعض الإدمان بأنواعه أنه نوع من البحث المستميت لبقاء اللذة لسعادة نهايتها محتمة . وقد شرح الرب يسوع المسيح في مثل الغني الغبي هذا المفهوم وضرب لهم مثلا قائلا : إنسان غني أخصبت كورته ففكر في نفسه قائلا : ماذا أعمل، لأن ليس لي موضع أجمع فيه أثماري وقال: أعمل هذا: أهدم مخازني وأبني أعظم، وأجمع هناك جميع غلاتي وخيراتي وأقول لنفسي: يا نفس لك خيرات كثيرة، موضوعة لسنين كثيرة. استريحي وكلي واشربي وافرحي فقال له الله: يا غبي هذه الليلة تطلب نفسك منك، فهذه التي أعددتها لمن تكون هكذا الذي يكنز لنفسه وليس هو غنيا لله. ( لوقا ١٢) . و أكد سفر الرؤيا علي هذا المفهوم أن لا خائفون يرثون ملكوت السموات ) رؤيا ٨:٢١) . بمعني أن عدم الإيمان بأن الله هو الضامن لحياتنا بعد الموت يجعل الخوف من المستقبل رهيب إذ يكون الموت - لا الحياة - هو حقيقة مستقبل الإنسان . لذلك لجأت النفس البشرية إلي حيلة أخيرة وهي إنكار وجود حياة بعد الموت من أجل أن يتوقف خوفها ولكن بلا فائدة . إلا أن علوم النفس الإنسانية قالت بأن الحل لمرض القلق ( العُصابي Neurotic وليس الذُهاني Psychotic ) هو مواجهة الخوف . ولقد واجه الله خوف الإنسان من الموت فقال الرب : إني قد رأيت مذلة شعبي وسمعت صراخهم من أجل مسخريهم . إني علمت أوجاعهم فنزلت لأنقذهم وأصعدهم ( خروج ٧:٣) ووضع إبن الله ذاته و دخل إلي عرين الموت بالصليب فأنهي سلطانه علي المؤمنين و توقفت عبودية الإنسان للموت وإسترجَعت طبيعة الإنسان أصلها ، التي خُلِقَ عليها الإنسان ، في المسيح الذي هو صورة الله ، فتفجرت الحياة في الإنسان مُمَثلاً في الباكورة إبن الإنسان يسوع المسيح ، بعد أن كان الله مُحتجِباً بخطية الإنسان . هكذا صرح النبي حَقًّا أَنْتَ إِلهٌ مُحْتَجِبٌ يَا إِلهَ إِسْرَائِيلَ الْمُخَلِّصَ" ( أشعياء ٤٥) . والحقيقة أن الإنسان هو الذي بخطيته حجب حياة الله عن كيانه فصار أسيراً وعبداً للموت والخوف منه . من هنا كانت أهمية الصليب في المسيحية . ليس لأن الرب إلهنا إله كئيب يعشق الألم والموت والنحيب والبكاء والحرمان لشعبه و الموت بالحيا كما يقولون باللغة المصرية الدارجة ، لا لا إن هذه مسيحية مريضة . بل لأن الصليب لم يَعُد علامة موت بل تحول في المسيح إلي علامة حياة . فصار الصليب محور التبشير المسيحي . نحن نردد هذا المعني في صلاة القداس الإلهي بموتك يارب نبشر وبقيامتك المقدسة وصعودك إلي السموات نعترف فالصليب هو مانبشر به ، بينما القيامة نعترف بها . لأن المعجزة هي موت ربنا الذي إبتلع موتنا في حياته . أما حياته وقيامته فهو أمر مفروغ منه وتحصيل حاصل لأنه الحياة ، والحياة لا تموت . بل إن المرء يتعجب كيف إختار المصري القديم رمز الصليب كعلامة للحياة مفتاح الحياة بدون أن يعلنها له لحمٌ و دمٌ بل الآب الذي في السموات من خلال بشرية الإنسان المصري القديم . فإن الرب يسوع المسيح قال ما معناه إن الشهادة لله هي في الإنسان كطبيعة . فإن سكت البشر عن الشهادة لله فإن الحجارة تنطق شاهدةً له . ألم يقل الرب يسوع هذا لليهود الذين أرادوا أن يسكتوا الجموع التي هتفت له هوشعنا/ خلِّصنا أثناء موكب دخوله الأخير إلي أورشليم قبل الصليب وفيما هو سائر فرشوا ثيابهم في الطريق ابتدأ كل جمهور التلاميذ يفرحون ويسبحون الله بصوت عظيم ، لأجل جميع القوات التي نظروا، قائلين: مبارك الملك الآتي باسم الرب . سلام في السماء ومجد في الأعالي الفريسيين .. قالوا له: يا معلم، انتهر تلاميذك . فأجاب وقال لهم: أقول لكم: إنه إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ ( لوقا ١٩) . كم هي من مضادة تذهَل لها العقول والقلوب والمعاندين ، الذاهب الي الموت بقدميه إحتفلت به الجموع وتحتفل به الدهور ملكاً متوَّجاً مخلِّصاً . بل ويتعجب المرء ثانية ً كيف شاركته الجموع بطريقة عفوية تحمل شهادة ليست من لحم ودم ، فوضعوا ذواتهم مُمَثَّلة في ثيابهم تحت قدميه لذلك أقول لكم: لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس ؟ ( متي ٢٥:٦ ) و وضعوا أعلي ما تصل إليه أيديهم من سعف النخيل إمعاناً في وضع ذواتهم متضامنةً معه في إحتفال أحد السعف المهيب الذي كان إحتفالاً بالصليب ، سابقاً للزمن . وها نحن نتعجب للمرة الثالثة ، ومراراً و تكراراً ، لتلك الومضات الخاطفة هنا وهناك التي كشفت إشتياقات الإنسان - وعلي قدر محدوديته - في مواجهة الموت مع المسيح فقال لهم يسوع لعازر مات. وأنا أفرح لأجلكم إني لم أكن هناك، لتؤمنوا. ولكن لنذهب إليه قال له التلاميذ: يا معلم، الآن كان اليهود يطلبون أن يرجموك، وتذهب أيضا إلى هناك فقال توما الذي يقال له التوأم للتلاميذ رفقائه: لنذهب نحن أيضا لكي نموت معه . ( يوحنا ١١) . وأيضا عندما ساعده سمعان القيرواني في حمل الصليب في طريقه إلي الجلجثة . و نفس الموقف تكرر حين أدرك الشاب المصري أنطونيوس ذلك ، فخرج من العالم بإرادته واضعاً ذاته كسيده المسيح وإفتتح تاريخ الرهبنة المسيحية في العالم كله . فلا عجب أن سر المعمودية الذي فيه يموت الإنسان مع المسيح ، هو أول ما يبدأ به الإنسان في المسيحية ، كمدخل لحياته وقيامه في المسيح يسوع ربنا . وفي ذكري مرور أربعين يوماً علي إستشهاد البار أبيفانيوس ، أسقف ورئيس دير القديس العظيم أنبا مقار الكبير ببرية شيهيت المقدسة بمصر، نؤمن أن دماء هذا البار التي إختلطت بدماء التسعة والأربعين شهيداً شيوخ برية شيهيت المقدسة - ليصير الشهيد الخمسون معهم وتشابهت بدماء ربنا يسوع المسيح، نؤمن إِنَّ هذَا ( أبيفانيوس ) قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ ( الكنيسة القبطية ) ، وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ ( من كثيرين في الكنيسة القبطية ). . وَأَنْتِ أَيْضًا ( الكنيسة القبطية وبطريركها ) يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ، لِتُعْلَنَ أَفْكَارٌ مِنْ قُلُوبٍ كَثِيرَةٍ ( لوقا ٢) . و السبح لله .