وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي ،    

             لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ ( يوحنا ١٧)

 

في هذه الآية الغالية جداً علي قلوبنا كمسيحيين، يكشف إبن الله يسوع المسيح له المجد عن غاية تجسده، حيث أَسمعه بأكثر تفصيل يقول: (((لأجلهم أقدِّس أنا - ابن الله - بشريتهم التي لبستُها جسداً لي - وأدعوها الآن ذاتي - لأنها إتحدت بلاهوتي بلا إختلاط ولا إمتزاج ولا تغيير، ليكونوا هم - البشر - مُقدَّسين في الحق. إني أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي ( يو ٦:١٤) لذلك أقول إن الإنسان يتقدِّس عندما يتحد بذاتي أنا الحق))). هكذا قدَّس ابن الله البشرية التي أخذها من العذراء مريم ووَّحدها في ذاته وبالتالي قدَّس بشريتنا أيضا بالضرورة فيه.

 

نحن المسيحيين نؤمن أن الله واحد. وأن له طبيعة إلهية واحدة مطلقة القداسة. وأن القداسة هي إحدي  الصفات الذاتية لطبيعة الله وليست لأحدٍ غيره. وأن طبيعة الله هي في ثلاثة أقانيم - أي أشخاص - متمايزة عن بعضها ومتحدة في طبيعة واحدة. ولأن الأقانيم في إتحاد مطلق بدون أن تفقد تمايزها، لذلك فإن إله المسيحية واحد في ثلاثة أقانيم. قال المسيح له المجد أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ (يو٣٠:١٠). وهو قول كاشف للإتحاد المطلق لأقنوم الإبن والآب في الله و يحتم القداسة المطلقة في ذات المسيح يسوع، وبالتالي حتمية تقديسه لبشريته / بشريتنا التي إتحد بها. و لقد عبَّر الرب يسوع عن تلك الحقيقة بقوله يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي (لو٤٩:٢) فانحصر ناسوته في شركة الآب السماوي. وهكذا عندما نكون نحن أيضا محصورين عقلاً وقلباً في الثالوث القدوس يتفعَّل تقديسه لطبيعتنا. لقد شاء إلهنا - تبارك أسمه - في حبه المطلق أن يخلع هذا التقديس: (١) كإمتياز و نعمة علي مَن يحبه من البشر من أجل أن يتسني له أن يتحد بالمسيح القدوس. (٢) كمسئولية عمل تستوجبه القداسة كطبيعة تنمو وتفيض. (٣) كإلتزام جهاد ضروري للحفاظ والبقاء في هذه النعمة. ولمَّا كان المسيح قد تمَّمَ وحقَّق كل هذا (١-٣) في شخصه المبارك، لذلك صار ميراثاً لكل مَن يؤمن به وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا: (١)  فمن جهة نعمة تقديسه للناسوت الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا ثم سَلك  في سيرة الكمال بناسوته: هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ (مت ١٥:٣)، مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ (يو ٤٦:٨). (٢) من جهة التقديس كمسئولية عمل أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ ( يو ١٧:٥). (٣) من جهة التقديس كجهاد  وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ (لو ٤٤:٢٢). وبناءً علي ماسبق، فإنه صار للإنسان- في المسيح وبالمسيح - نعمة أن يستدعي القداسة فتأتيه فاتحة ذراعيها:   كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ لاَ يُخْطِئُ، بَلِ الْمَوْلُودُ مِنَ اللهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ ( يوحنا الأولي ١٨:٥) ، وكذلك الخطية ترتد مهزومة مقهورة إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا. إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ (1يو ٨:١). وقد لخَّص القديس بولس ميراث المؤمنين الذي لهم في المسيح بقولٍ فائقوَأَمَّا مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ رُوحٌ وَاحِدٌ. (1كور ١٧:٦) به صار كل ما حققه الرب نصيباً لنا.

 

إن ابن الله الذي صار جسداً، كان لا يتكلم إلا بما ينطق به الآب في قلبه، فكانت حياته إنجيلا مقروءاً تقدَّست بقدسية الكلمة التي سمعها والتي قالها. فالمسيح هو كلمة الله المنطوقة من الآب في الإبن بالروح القدس: أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ..الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ ( يو ١٠:١٤) . و كل ما مسَّه المسيح تقدَّس. وكل ما خرج من فمه َقدَّس. هذا قدمه المسيح ميراثاً للمؤمنين، كل مَن إتحد به  لأَنَّ الْمُقَدِّسَ (المسيح) وَالْمُقَدَّسِينَ (نحن) جَمِيعَهُمْ مِنْ وَاحِدٍ (الآب)، فَلِهذَا السَّبَبِ لاَ يَسْتَحِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً (عب ١١:٢) . فنحن مسيحيين لأننا أخوة المسيح، ونحن قديسين لأن المسيح هو القدوس وهو أخونا البكر لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ (رو ٢٩:٨). هذا ميراث قداستنا التي لنا في المسيح والذي أمَّنه لنا بقوله  وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ. فالسُبح لك ياابن الله والقدوس بطبيعتك، يامَن أنعمت لنا أن نكون قديسين ومُسحاء فيك  نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ (1بط ١٥:١).