مقدمة للقراءات الكنسیة

(جزء ثانى)

 

من العجیب أن تقدم الكنیسة هذه القراءات في طقس خشوعي ولحن بدیع وقور یحمل أنَّات الروح القدس وینقل لنا لظى لهیبه. فبقدر ما یبكت النفس للتوبة، یأخذها لروح التسبیح ویدخل بها مع عبق البخور المتصاعد لشركة السماویین. طقس البخور أثناء القراءات هو طقس التوبة، فالكتب تفتح عین النفس لتعدها للتوبة. لذلك یطوف الكاهن بالشوریة لیجمع اعترافات التائبین مع صلوات القدیسین. فعندما یقدم الكاهن الشوریة یُقر كل واحد بخطایاه ویتوب أمام الله، بینما

یقدم الكاهن صلاة خشوعیة سراً یقول فیها، "یسوع المسیح أمس والیوم هو، هو وإلى الأبد ... هذا الذي أصعد ذاته ذبیحة مقبولة على الصلیب عن خلاص جنسنا. فاشتمَّه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجلة. فتح باب الفردوس ورد آدم إلى ریاسته مرة أخرى." ذبیحة المسیح المقدمة للآب فوق الجلجثة تكفر عن خطایا الشعب المقِر بخطایاه، فیتنسم الرب رائحة الرضى، بخوراً متصاعداً مع صلوات القدیسین. ثم یتقدم الكاهن إلى الهیكل لیقدم اعترافات الشعب أمام عرش النعمة ، ثم یصلي سرا "سر اعتراف الشعب" أو "سر الرجعة" فقد رجع الكاهن بالشعب تائباً، مقراً بخطایاه، وذبیحة المسیح تشفع وتكفِّر، وسحب رائحة المسیح الذكیة تغطي، "لنكون قدیسین وبلا لوم قدامه في المحبة" (أف4:1) وبذلك تشرك الكنیسة كل الحواس في تقدیم العبادة الروحیة والتسبیح لله.

 

یختم قداس الكلمة بالثلاثة أواشي الكبار، والتي أُهمِلَت الیوم. الأواشي تختم كلمة لله بالصلاة والطلبة، فصلاتنا إنجیلیة وإنجیلنا صلاة. لقد وُضعت هذه القراءات لنقرأها معاً في الكنیسة في شكل جماعي (لیتورجي) بروح الصلاة، فنسمعها ونفهمها معاً بوعي كي ننمو بالكلمة في المعرفة ككنیسة واحدة بفكر واحد. وتسرى نسمتها فینا معا، نسمة حیاة لحیاة أبدیة. ومع عبیر بخورها نستنشق روحا واحدة، تقدس قلوبنا في الحق، وتوحد نفوسنا بالبر، لنبلغ لسر شركة الكنیسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولیة، جسد المسیح غیر المنقسم.

 

لقد عنیت كل الكنائس سواء أرثوذكسیة أو كاثولیكیة أو بروتستانتیة بالقراءات، حتى أن كثیراً من الجامعات اللاهوتیة بها قسم خاص بالقراءات الكنسیة، لما لها من أهمیة سواء من الناحیة العلمیة أو التربویة. هناك دراسات علمیة لمقارنة مناهج الكنائس المختلفة، وأثرها على التعلیم. إن دراسة مناهج الكنائس التقلیدیة أظهر الكثیر من التشابه وخاصة في قراءات المناسبات مما یوضح أن تنظیمها یرجع لعصور ما قبل انقسام الكنیسة. ومن الملاحظ أن دورة السنة الكنسیة لجمیع الكنائس تبدأ أول سبتمبر، حتى الكنیسة الرومانیة، التي غیَّرت موعد بدء سنتها الطقسیة لأول نوفمبر في المجمع الفاتیكاني الثاني في القرن العشرین. یقول الأب ألكسندر شمِمَن (1): "دورة السنة الكنسیة تبدأ في سبتمبر منذ أیام القِدَم، وغالبا لا أحد یعرف أو یذكر ذلك، لكن من المناسب مع بدء الخریف أن نتأمل في معنى الاحتفال الكنسي". إن بدء السنة القبطیة قبل التعدیل الغریغوري كان یوافق أواخر أغسطس أو أوائل سبتمبر. وهذا یدعو للتساؤل إن كان تنظیم السنة الكنسیة قد بدأ في مصر، ثم أخذته كل الكنائس عنها. إن ذلك لیس مستغربا، فمصر كانت دائما تفیض بثقافتها على العالم المسیحي كله في القرون الأربعة الأولى من خلال جامعاتها وأدیرتها وتوجهاتها اللاهوتیة.

 

بالرغم من أن منهج كنیستنا القبطیة یعتبر من أعرق وأدسم المناهج، بل وقد یكون أقدمها جمیعا، إلا أنه لم یأخذ حظه من الدراسة العلمیة، ولم یحظى بالاهتمام اللازم، ولم یتنبه لهذا الكنز الثقافي الثمین أحد علماء الغرب لیهتم به و یقدمه للعالم. غیر أن هناك كتاب واحد باللغة الفرنسیة عن قراءات الكنیسة القبطیة للعالم البلجیكي "Ugo Zenette" بعنوان، "Les Lectionnaires, Coptes Annules, "Egypt Bassse" أي "القراءات الكنسیة للسنة القبطیة، للوجه البحري". والكتاب صدر عن الجامعة الكاثولیكیة بلوفان "Universite Catholique De Louvain" عام 1985 (وقد یكون هناك مرجع آخر باللغة الألمانیة لم أتمكن من العثور علیه)، عدا ذلك لیس هناك مرجع علمي یدرس هذا الموضوع الهام بالإنجلیزیة أو العربیة. و لا توجد حتى الآن بادرة في الكنیسة القبطیة لبدء دراسة علمیة للقراءات الكنسیة، رغم الاحتیاج الشدید لتكثیف البحث في هذا المجال، لأهمیته القصوى في مجال التعلیم الدیني والتربوي.

 

لقد ظهر كتاب واحد عن القراءات في خمسینات القرن العشرین، وهو كتاب "كنوز النعمة" في ستة أجزاء) للمتنیح الأرشدیاكون بانوب عبده(. وقد بذل المؤلف جهدا كبیرا مشكورأ لإصدا ره، في وقت لم تكن فیه الدراسات الآبائیة ولا إمكانیات البحث العلمي متوفرة لدى الكاتب القبطي. و قد سد هذا الكتاب فراغا في تلك الأیام، فما أحوج الكنیسة الیوم إلى باحثین متخصصین وعلماء لغات یُكرسون لدراسة ذلك الموضوع البكر والخصب الذي یستوعب الكثیر جدا من الأبحاث والدراسات المُتَخصِصة والمتنوعة.

 

لدراسة القراءات الكنسیة یلزم أن تُبحَث على عدة مستویات:

 

دراسة رأسیة للقراءات: وتشمل دراسة قراءات الیوم الواحد للوصول للفكرة المشتركة لقراءات كل یوم. هذه الد ا رسة أظهرت توافقا بدیعا في قراءات كل یوم حول فكر روحی ولاهوتی مُتَّسِق. إلا أنه قد توجد القلیل من القراءات التي لا تتوافق مع الموضوع المشترك للیوم، لذلك یلزم عمل دراسة لإمكان تعدیل تلك القراءات لتتوافق مع باقي قراءات الیوم لتخدم الغرض. إن تجمیع القراءات قد اعتراه الكثیر من التغییر عبر العصور، لهذا یلزم مراجعة المخطوطات القدیمة لمعرفة التغیرات التي حدثت بها في التاریخ لمقارنتها بالموجود واستخدام القراءات الأفضل.

دراسة أفقیة منهجیة للقراءات: وتشمل دراسة العلاقة الأفقیة ما بین قراءات الآحاد المتتالیة والأعیاد على مدار السنة لتكوِّن مناهج دراسیة، رتبتها الكنیسة لتشكل برنامجها السنوي المتكامل من الناحیة الروحیة واللاهوتیة والتربویة، به تثري الفكر الروحي للكنیسة، وتنقل إیمانها عبر الأجیال.

دراسة تاریخیة للقراءات: یلزم دراسة المخطوطات القدیمة لمعرفة كیف نشأت هذه القراءات وتطورت، والتغیرات التي طرأت علیها عبر التاریخ، والظروف والعوامل المؤثرة التي دعت للتغییر. لقد اهتمت كل الكنائس في العالم بتسجیل تاریخ لیتورجیاتها وتاریخ واضعي كل نص ولحن فیها، أما الكنیسة القبطیة فلم تقم بمثل تلك الدراسات. ربما یرجع ذلك إلى أن واضعي هذه النصوص كانوا ینكرون أنفسهم. لكني أعتقد أنه قد حان الوقت للدراسة العلمیة التاریخیة للیتورجیات الكنیسة وكل كتبها الطقسیة وألحانها، خاصة القراءات الكتابیة. فیلزم معرفة تاریخ تنظیمها، ومنظمیها؟ وهذا كله یحتاج لدراسة علمیة متخصصة للمخطوطات المكتوبة بلغات مختلفة.

دراسة آبائیة للقراءات: هذه القراءات وضعها الآباء عبر الأجیال لذلك یلزم الاستعانة بمفهوم الآباء في شرح الكتاب المقدس حتى یمكن لنا أن نفهم الهدف من تجمیع القراءات بهذه الصورة، ومعرفة الأبعاد الروحیة واللاهوتیة العمیقة من مجموع القراءات لكل یوم وما تحویه من تعالیم وفكر مترابط، مبنى على أساس آبائى.

دراسة مقارنة للقراءات: اهتمت كل كنائس العالم بالقراءات الكنسیة منذ أقدم العصور فنجد برامج للقراءات في كل الكنائس تشابه أو تخالف برنامج قراءات الكنیسة القبطیة. لذلك یلزم دراسة برامج قراءات الكنائس الأخرى وخاصة الكنائس التقلیدیة، ومضاهاتها ببرنامج الكنیسة القبطیة. لهذه الدراسة أهمیة كبیرة في تحدید زمن القراءات. فمن الملاحظ أن هناك كثیر من القراءات المشتركة بین الكنائس التقلیدیة، خاصة قراءات الأعیاد مما یُرَجِّح أنها قد وضعت في زمن قدیم یرجع لما قبل انقسام الكنیسة. یقول الأب شمِمَان في حدیثه عن منهج قراءات الكنیسة الروسیة في كتابه عن السنة الكنسیة(2) "لماذا لا نحاول أن نفهم النسیج العضوي العجیب للأعیاد التي تلوح في كل موسم بلونها المختلف، بعمقها الفرید. أنوار عید المیلاد، الحزن المتلألئ في الصوم الكبیر الذي یتحول عملیا إلى فرح القیامة، الصیف الذي یمتلئ بأعیاد الصعود، وحلول الروح القدس، وفي أغسطس أعیاد ما قبل الخریف عید التجلي وتذكار نیاحة العذراء" فیظهر إن الهیكل العام لقراءات الكنیسة الروسیة یماثل التنظیم الهیكلي للأعیاد وتوقیتاتها التي تقوم علیها السنة الكنسیة القبطیة، مع أن الكنیسة الروسیة التي تأسست في القرن الحادي عشر لم تلتقي بالكنیسة القبطیة في التاریخ.



(1) The Church Year, Sermon vol. 2 by Fr. Alexander Schmemann, St. Vladimirís Seminary Press, New York, 1994. See p. 13.

(2) Ibid p.14.