مذكرات مختصرة عن الكتاب المقدس

-64-

رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسى

(الجزء الخامس)

 

شــرح الرسالــــة

 

(7) الحياة الجديدة التي نلناها بموتنا وقيامتنا مع المسيح (3: 14)، (8) الحياة الجديدة تقتضي الموت عن الخطايا (3: 511)، (9) الحياة الجديدة تتحلى بفضائل القداسة (3: 12-17) (سبق نشرهم فى الجزء الرابع).

 

(10) وصايا الحياة الجديدة لأعضاء الكنيسة (3: 18 4: 1، تكملة ما سبق نشره فى الجزء الرابع)

ثم نأتي إلى العلاقة بين السيد والعبد ، وواضح أنها كانت علاقة ملتبسة وفيها الكثير من الأخطاء التي استمرت قروناً. وتجتهد الوصية أن ترفع من مقام العبد ليصير أخاً مؤمناً مكافئاً بغير أن يترك موقعه في مجال العمل. وها هو يبدأ بالعبيد قبل السادة، فعليهم يقع العبء في تغيير نظرة السادة إليهم. فهؤلاء هم سادتهم ولكن حسب الجسد لأن للكل سيداً في السماوات سيحاسب كل واحد كما يكون عمله، وعليهم طاعتهم ولكن بحسب مفهوم جديد: هو لا بدافع الخوف والمذلة، ولا "بخدمة العين كمن يرضي الناس"، وإنما بدافع "خوف الرب"، والعمل لا يكون أداءً آلياً مقدماً للناس وإنما "من القلب" "وببساطة القلب" "كما للرب". فالعبد الآن هو "عبد الله" وليس "عبد السيد"، فأي كرامة صارت له بانتقاله لخدمة "الرب المسيح" الذي منه سيأخذ الأجرة التي هي "جزاء الميراث" الأبدي. وفي نفس الوقت فالسيد خاضع مثل العبيد لحكم الله وإن ظلمهم رغم سلوك العبيد مسيحياً وطاعتهم له "فسينال ما ظلم به وليس محاباة"، فعدل الله قائم.

وبالمقابل فالسادة الذين هم أيضاً مؤمنون مطالَبون أن يغيروا أساليبهم القديمة التي ورثوها في المجتمع الطبقي، وعليهم الآن أن يقدموا للعبيد العدل والمساواة مذكراً إياهم أن لهم أيضاً "سيداً في السماوات" وهو إله عادل لا يحابي بالوجوه، وسيتصدى للظلم، ومخيف هو الوقوع بين يدي الله الحي.

لم تؤجج المسيحية ثورة لتحرير العبيد، ولكنها غيرت نوع العلاقة بين العامل وصاحب العمل، وبالإيمان صار الجميع إخوة، عبيداً لله([1])، وصار الله السيد للطرفين. وأُنسيمُس العبد الهارب، دعاه القديس بولس ابنه "الذي ولده في قيوده" وهو سجين، وأعاده إلى سيده السابق فليمون "لا كعبد فيما بعد بل أفضل من عبد أخاً محبوباً" (فل 16). فالإيمان بالمسيح وحّدهما وأزال الفوارق بينهما وجعل كلاً منهما يحتاج الأخر ويكمله. وبقى مجتمع الطبقات ولكن صارت الكرامة والحقوق للجميع. والتطور الطبيعي للحياة الاجتماعية المسيحية استأصل عبودية البشر للبشر.

 

(11) حث الكنيسة على الصلاة من أجل الخدمة والكرازة للآخرين (4: 2 6)

+ في ختام الرسالة يحث القديس بولس مؤمني كولوسي على المواظبة على الصلاة أي مواصلة الصلاة بغير توقف (ينبغي أن يصلَّى كل حين ولا يُملّ - لو 1:18، "صلوا بلا انقطاع" 1تي 17:5) وبكل نشاط وبغير فتور ("ساهرين فيها بالشكر" 2:4) أي بالإعراب في المقام الأول عن الشكر لله بمساندة إيمانكم الجديد في المسيح، وأيضاً لأجل الرسول بولس (ورفاقه الخدام) (لا من أجل نفسه أو تبرئته في المحاكمة القادمة أو الإفراج عنه من سجنه) وإنما من أجل خدمته كي يتيح الرب له مجالات جديدة وأبواباً للكلام والكرازة بخلاص المسيح الذي من أجله هو يُحاكم الآن، ويقيم في بيت استأجره لنفسه (أع 28: 30)، سجيناً موثقاً إلى جندي بصورة دائمة ليلاً ونهاراً ("أسير في سلاسل" أف 20:6) ولكن هذا لم يمنعه من الكرازة وتقديم شخص المسيح "كما يجب أن يتكلم" ("إذ الضرورة موضوعة عليَّ فويل لي إن كنت لا أبشر" 1كو 16:9). والخادم الحقيقي لا يسأل من أجل الراحة من التعب وإنما من أجل القوة للمساندة في التعب وتحقيق أهداف الخدمة.

+ والرسول يُحمّل المؤمنين العاديين

مسئولية الكرازة لمن حولهم، كيف؟ بأن يسلكوا بحكمة عند التعامل مع غير المؤمنين، بأن يقدموا لهم بسلوكهم وجه المسيح الحلو "مفتدين الوقت" أي مستثمرين الوقت القليل الموهوب لهم من أجل اجتذاب الغير لدعوة الخلاص بكل وسيلة. وأن يحرصوا أن يكون كلامهم كل حين مختاراً بعناية في لباقة ولطف مستنداً إلى عمل نعمة الله، وبالتالي يكون "مصلحاً بملح" مؤثراً في السامعين فهكذا "يجب أن تجاوبوا كل واحد" يريد أن يعرف عن الإيمان([2]).

 

(12) تحيات ختامية، وصايا، ودعاء: (4 : 7 18)

ها هو القديس بولس يأتي إلى السطور الأخيرة في رسالته فيكتب إلى أهل كولوسي بصورة شخصية معرفاً إياهم عن أخباره، مبيناً أن ما لم يشر إليه في رسالته عن أحواله وخدمته وسجنه سيُعرِّفهم بها تيخيكس (الأخ الحبيب والخادم الأمين والعبد معنا في الرب) الذي يحمل هذه الرسالة إليهم، وأيضاً كي يعرف أحوالهم ويطمئن عليهم ويحمل إليهم تعزيات الروح القدس، ويرافقه في هذه المهمة أُنسيمُس (الأخ الأمين الحبيب) الذي هو أصلاً من كولوسي والتصق بالقديس بولس في سجن روما وكان معاوناً جيداً في الخدمة.

+ ثم يرسل لهم سلام وتحيات رفاق خدمته من روما : أَرَستَرخُس([3]) وهو مكدوني قادم من تسالونيكي (أع 20: 4 ، 27: 2).

+ يرسل لهم أيضاً سلام مرقس (ابن أخت برنابا) الذي كان صديقاً حميماً للقديس بطرس (مرقس ابني- 1بط 13:5) وهو الذي استعان ببطرس كشاهد عيان عندما شرع في كتابة إنجيله. ونعرف أن القديس بولس (وبرنابا) في رحلته الكرازية الأولى أخذا مرقس معهما (أع5:13)، ولكنه فارقهما في منتصف الرحلة مما لم يرض عنه القديس بولس. وفي الرحلة الثانية رفض القديس بولس طلب برنابا أن يرافقهما مرقس مما أدى إلى افتراق برنابا عنه وأخذ معه مرقس (أع 15: 36-40). ولكن ها هو مرقس مع القديس بولس في سجنه وهو راضٍ عنه ("نافع لي للخدمة" 2تي 4: 11، فل 4). فالخلاف السابق لم يكن موقفاً شخصياً ثابتاً وإنما هو من أجل الخدمة، بل هو يعلن ثقته به ويوصيهم به خيراً ("الذي أخذتم لأجله وصايا") ويطلب أن يقبلوه إن أتى إليهم.

+ ثم يهديهم سلام رفيقه يسوع المدعو يسطس اليهودي كمرقس وهؤلاء هم وحدهم العاملون معه لحساب ملكوت الله، الذين كانوا في وجودهم تسلية أي تخفيفاً وتهويناً من صعوبة الأيام وعوناً على آلام السجن وهمومه وتشجيعاً على خدمة الكرازة بغير ملل.

+ وبعده يرسل لهم سلام ابَفْراس "الذي هو منكم" (لأنه خادم كنيسة كولوسي 7:1)، ويصفه أنه عبد للمسيح ويشهد لخدمته من أجل كنيسة أفسس فيقول: "مجاهد كل حين لأجلكم بالصلوات لكي تثبتوا كاملين ممتلئين في كل مشيئة الله. فأني أشهد فيه أن له غيرة كثيرة لأجلكم ولأجل الذين في لاودكية والذين في هيرابوليس (فهو يخدم الكنائس الثلاث)".

+ وفي قائمة الشرف يأتي أيضاً اسم لوقا الطبيب المحبوب رفيق القديس بولس حتى الساعة الأخيرة ("لوقا وحده معي" 2 تي 4: 11) ومسجل يوميات رحلاته الكرازية في سفر الأعمال، وبالطبع طبيبه الخاص الذي قصر خدمته الطبية عليه، وخدمته الروحية للإنجيل.

+ ثم يذكر في النهاية سلام ديماس، ولكنه لا يضيف وصفاً أو كلاماً عنه. وإن ذكر عنه أنه في أخر أيام تركه لأنه "أحب العالم الحاضر" (2تي 10:4). فهل رجع فيما بعد وصحّح مسيرته أم أنه باع كل شيء؟

+ وهو يرسل سلاماً للإخوة في كنيسة لاودكية، وبالذات على نمفاس الذي يبدو أنه المهتم بأمور هذه الكنيسة، وربما هي تجتمع في بيته، كما كانت الكنيسة في أيامها الأولى تجتمع في بيوت المؤمنين مثل بيت أكيلا وبريسكلا في روما (رو 3:16) وفي أفسس (1كو 19:16) وبيت فليمون (فل 2). كما ينبغي أن يكون كل بيت مؤمن الآن أيضاً كنيسة يسوع المسيح.

+ وهو يطلب أن تُقرأ هذه الرسالة في كنيسة اللاودكيين أيضاً. ولكن ماذا عن رسالة لاودكية التي يطلب أن تُقرأ في كولوسي؟ فلعلها كانت رسالة أرسلها إلى لاودكية وفُقدت، أو ربما هي الرسالة إلى أفسس التي كانت رسالة لها ولغيرها فكان يترك اسم الكنيسة في صدرها خالياً لكي يوضع فيه اسم الكنيسة المعينة كأنها موجهة إليها بالذات، ويكون أن ما يشير إليه القديس بولس عن رسالة إلى لاودكية هي بذاتها رسالة أفسس وكتب عليها اسم لاودكية.

+ وفي الختام رسالة خاصة لها معنى يطلب أن توجهها الكنيسة إلى أرخبّس وهي أن ينظر إلى الخدمة التي قبلها في الرب لكي يتممها بأمانة. وربما كان تشجيعاً وحثاً له أن يلتزم بما قَبِله ولا يتراجع عنه بل أن يتممه من أجل المسيح، وهو يشير إليه في آخر رسائل السجن (إلى فليمون) أنه "المتجند معنا" بما يعني أنه استجاب إلى رسالة القديس بولس.

+ في السطر الأخير، فيما يعطي سلامه يضع توقيعه على الرسالة التي أملاها على تيخيكس([4]) "السلام بيدي أنا بولس" (أيضاً في 1كو 16: 21، غل 6: 11، 2تس 17:3).

+ وكلماته الأخيرة أن يذكروا وثقه أي قيوده [كما أشار من قبل إلى أسره لحساب المسيح: "أسير المسيح يسوع" (أف 3: 1)، "الأسير في الرب" (أف 4: 1)، "أسير في سلاسل" (أف 6: 20)، "أسير يسوع المسيح" (فل 9)]، لا لكي يستدر عطفاً أو يذكرهم بسجنه وإنما أن يصلوا كي يعطيه الرب أن يشهد رغم القيود، وهو الذي يراها تشبهاً بآلام السيد "حامل في جسدي سمات الرب يسوع" (غل 6: 17) ومصدراً لفرحه "أفرح في آلامي لأجلكم وأكمل نقائص شدائد المسيح في جسدي لأجل جسده الذي هو الكنيسة" (كو1: 24)، وأن سجنه ووثقه على العكس تشجع رفاق خدمته على مجاهرة أكثر "وثقي صارت ظاهرة في المسيح في كل دار الولاية وفي باقي الأماكن أجمع وأكثر الإخوة وهم واثقون في الرب بوثقي يجترئون أكثر على التكلم بالكلمة بلا خوف" (في 1: 13، 14).

+ ويختم القديس بولس رسالته بدعاء خادم لكنيسته: "النعمة (نعمة ربنا يسوع المسيح في الروح القدس) معكم أمين" فهي سر القوة والنصرة "تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تُكمل... لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي" (2كو 12: 9، 10)، كما هو توجهّه في ختام رسائله مستودعاً نفوس مؤمني الكنيسة لنعمة الله التي فيها الكفاية في كل شيء.



([1]) والقديس بولس افتخر أن يكون "عبداً للمسيح" (غل 10:1). و"أسير يسوع المسيح" (أف 1:3، 2تي 8:1، فل 1، 9)، ونعت من يخدمون معهم أنهم "عبيد يسوع المسيح" (في 1:1، 2كو 7:1، 4: 7، 12)، بل أنه لم يترفع عن القول أنه وإخوته عبيد لمن يخدمونهم "من أجل يسوع" (2كو 5:4).

([2]) وفي نفس المجال يقول معلمنا بطرس : "بل قدسوا الرب الله في قلوبكم مستعدين دائماً لمجاوبة كل من يسألكم عن سر الرجاء الذي فيكم بوداعة وخوف" (1بط 15:3).

([3]) ويسجل سفر الأعمال عنه أنه كان مع الرسول بولس في أفسس عندما أهاج ديمتريوس (صانع هياكل فضة لأرطاميس) الغوغاء على رفاق بولس "فاندفعوا.. إلى المشهد خاطفين معهم غايوس وأرسترخس المكدونيين رفيقي بولس في السفر" وهما اللذان (ضمن آخرين) مَنْ منعا بولس من الدخول بين المتظاهرين حفظاً لسلامته (أع 19: 23-30). كما أننا نلتقي بأرسترخس عندما أقلعت السفينة بالرسول بولس إلى سجن روما (أع 27: 2) حيث صار رفيقه في السجن وخادماً له. هو رفيق الشدائد إذاً.

([4]) رسالة رومية كتبتها فيبي خادمة كنيسة كنخريا، واشترك في جزئها الأخير ترتيوس (رو 16: 22)، ورسالة أفسس كتبها تيخيكس، ورسالة فيلبي أبفرودتس، ورسالة فليمون أنسيمس.