مذكرات مختصرة عن الكتاب المقدس

-63-

رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسى

(الجزء الرابع)

 

شــرح الرسالــــة

 

الإصحاحان 1، 2 سبق نشرهما (أنظر الجزء الثانى والثالث، شهرى يوليو وأغسطس)

 

(7) الحياة الجديدة التي نلناها بموتنا وقيامتنا مع المسيح (3: 14)

يواصل القديس بولس رسالته إلى أهل كولوسي مطالباً إياهم أن يعرفوا حقوقهم التي نالوها في المسيح الذي آمنوا به، وأيضاً التزامات هذا الإيمان، فيقول: "فإن كنتم قد قمتم مع المسيح" في حياة جديدة، بعد موتكم معه (بالمعمودية) وعن العالم الشرير، فأولى الالتزامات أن تطلبوا "ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله". فلابد أن يكون هناك فرق واضح بين حياتكم قبل وبعد قبول الرب مخلصاً، فتتراجع الاهتمامات الأرضية الجسدية التي مآلها الفناء ويصير الاهتمام بما فوق، أي بالسمائيات التي لا تفنى: المصير الأبدي، طاعة وصية المسيح، العبادة والتسبيح، الحياة في العالم كأننا في السماء: فنكون نوراً للعالم وملحاً للأرض ونرى المسيح في كل من حولنا.

نحن بموتنا مع المسيح صارت حياتنا مستترة (مخبوءة) معه في الله، فنحن كأننا نلبس الرب يسوع (رو 14:13) وهو يتجلى فينا، فإن حاولنا نظهر نحن بدلاً منه فقدناه. وكما نحن مستترون في المسيح الآن، ففي اليوم الأخير عندما يأتي الرب بكل مجده ويُظهر المسيح حياتنا([1])، فعندها نُظهر نحن أيضاً معه "في المجد". فعلى قدر إظهارنا لمجد الله على الأرض ("ينبغي أن ذلك يزيد وأني أنا أنقص" يو 30:3) على قدر ما يهبنا الله من مجده في المجيء الثاني.

 

(8) الحياة الجديدة تقتضي الموت عن الخطايا ( 3: 511)

يتابع القديس بولس توجيه المؤمنين إلى التزامات الإيمان الأخرى التي يتم فيها تفعيل الإرادة التي يقدسها الروح في رفض الحياة القديمة وأمور الجسد التي نالوا في المسيح القوة على مقاومتها وعدم الانصياع لها. فالموت مع المسيح، كما ذُكر آنفاً، هو موت "عن أركان العالم" (2: 20) ويلزم من ثم أن يجاهد المؤمن بمعونة الروح أي النعمة أن يميت أعضاءه التي على الأرض([2])، واختار خطايا الأمم الشهيرة: الزنا والنجاسة والهوى (الميول الهابطة) وسائر الشهوات الرديئة الجامحة والطمع الذي لا يشبع في المال والممتلكات والتطلع إليها الذي هو في حقيقته "عبادة أوثان" ولا تختلف عنها، إذ يصير المال هو الوثن، وهو ما سلكتم فيه قبل أن تعرفوا المسيح.

فالأمم لم تكن تعرف العفة، والحرية الجنسية قبل الزواج وخارج دائرته كانت تُمارس بغير حياء فهم كانوا يرون إشباع الغرائز أمراً طبيعياً كما كان المال معبود الجميع ومطمحهم امتداداً من عبادتهم للأوثان. من هنا وضع القديس بولس القائمة السابقة باعتبارها خط الهجوم الأول. وبعدها أضاف الخطايا العامة الشائعة في التعامل اليومي بين الناس: ا) الغضب (الرذيلة المتأصلة التي لا تهدأ وتمتد منها رذائل أخرى كلاماً واعتداءً وغيره)؛ ب) السخط (أي الانفعال المفاجيء والهياج السريع الذي ينطفيء كاحتراق القش)؛ ج) الخبث (عدم الاستقامة والتحايل والالتواء في كل جوانب الحياة)؛ د) التجديف (الوشاية والافتراء والإدعاء الكاذب)؛ ه) الكلام القبيح (البذاءة والشتيمة والنجاسة)؛ و) الكذب (الانحراف عن كلام الحق بأي طريق أو اخفاؤه)؛ محذّراً أن هذا كله يجلب غضب الله على أبناء المعصية، مذكراً إياهم أنهم وقد آمنوا قد خلعوا الإنسان العتيق مع أعماله (أي تخلّصوا من الماضي المظلم بكل خطاياه) ولبسوا الجديد (الحياة الجديدة في النور) الذي يتجدد للمعرفة مدى الحياة والنموذج هو "حسب صورة خالقه".

وهكذا في المسيح يسوع تزول الحواجز بين البشر ويصير الجميع بالإيمان الواحد صورة المسيح الواحد، فلا فرق بين يوناني (أممي) أو يهودي، من أختتن ومن هو أغرل، جاهل همجي أو متحضر، عبد أو حر، بل المسيح الكل وفي الكل. فأي مجد ناله الجميع بخلاص المسيح الذي أعاد للبشر إخوّتهم المُفتقَدة.

 

(9) الحياة الجديدة تتحلى بفضائل القداسة ( 3: 12-17) :

بعد أن نهى عن ارتكاب المعاصي، ها هو الرسول بولس يحثّ على التحلي بالفضائل المسيحية باعتبار مؤمني كولوسي "مختاري الله القديسين المحبوبين"([3])، وهي الهبات التي كانت لليهود دون غيرهم. وهذه الفضائل تتصل مباشرة بالعلاقة بين المؤمنين وإخوتهم وسائر البشر. ويستخدم التعبير "فالبسوا" أي أن تصير هذه الفضائل كالثوب بالنسبة لهم أي جزءاً لصيقاً بهم وظاهراً في التعامل مع الآخرين: ويبدأ "بالرأفات" أي الرحمة والعطف والإشفاق والخدمة وتقديم العون خاصة للعاجز والمحروم والمُعاق والضعيف والمحتاج، ثم "اللطف" أي الرقة والألفة والبعد عن الخشونة، و"التواضع" وهو ما اتصف به رب المجد "تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم" (مت 29:11) وطالبنا أن نكون مثله، فإذا كان وهو الله تنازل وصار إنساناً فينبغي على كل منا أن يعرف قدره الحقيقي وأننا لا نملك في أنفسنا شيئاً بل نحن كلنا خليقة الله وأننا جميعاً متساوون، فلا مجال إذاً للانتفاخ والغرور مهما أُعطينا من مواهب لا نملكها، وكلما اتضعنا فاضت علينا نعمة الله، ولكن إن تعالينا فسوف يتدخل الله لإعادتنا إلى الصواب "من يرفع نفسه يتضع" (مت 12:23، لو 11:14، 14:18) "يقاوم الله المستكبرين وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة" (يع 6:4، 1بط 5:5)، و"الوداعة" وهي قرين الاتضاع، وفيها الهدوء والمسالمة والبعد عن الانفعال الزائد والصياح ولكنها أيضاً تخلو من الضعف والخنوع، فربنا الوديع وقف أمام من يحاكمونه قوياً هادئاً رابط الجأش، و"طول الأناة" اقتداءً أيضاً بإلهنا الذي يحتمل ضعفنا وتقصيرنا، وفي المقابل فلا يليق أن نفقد صبرنا عند التعامل مع الآخرين، فالتأني عليهم قد ينقذهم من ضلالهم كما أنه يساعد على استعادتهم إلى الصواب، وبنفس القياس فطالما أن الله قد غفر لنا وسامحنا فعلينا نحن أيضاً أن نحتمل بعضنا بعضاً ونسامح بعضنا بعضاً متذكرين كلام الرب "اغفروا يُغفر لكم" (لو 6: 37) "إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضاً أبوكم السماوي وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضاً زلاتكم" (مت 6: 14، 15).

ثم تأتي الفضيلة الأولى "على جميع هذه الفضائل"، وهي المحبة، التي يطلب الرسول أن نلبسها فوق هذه كلها كرباط داعم لأنها "رباط الكمال". وفي موضع آخر قال: أنها "تكميل الناموس" (رو 10:13) باعتبار أن المحبة تتضمن ألا تصنع شراً للقريب وهكذا تجتمع فيها سائر الوصايا. ثم ختم بأن يملك على القلب سلام الله وهو ما نتمتع به إن أطعنا النعمة وسرنا في خوف الله وعشنا بهذه الفضائل، وقتها يفيض في قلبنا وعقلنا "سلام الله الذي يفوق كل عقل" (في 7:4) ويفيض بالتالي على كل الكنيسة "الذي إليه دُعيتم في جسد واحد". وهكذا تنحني الكنيسة أمام الله شاكرة على إنعامات الله عليها الذي نقلها من الظلمة والتغرب وجعلها ضمن جماعة المخلَّصين "مختاري الله القديسين المحبوبين" والنائلين إكليل الحياة.

وفي مجال الأعمال والتعليم، ها هو ينصح بأن "تسكن" فيهم وتستقر كلمة المسيح وبكل غنى، وهكذا يشاركون في تعليم بعضهم بعضاً وأن ينذروا بعضهم بعضاً لاستبعاد الأركان الضعيفة، وأن يجتمعوا معاً لتسبيح الله "بمزامير وتسابيح وأغاني روحية"، لا من الشفاه ولكن "بنعمة مترنمين في قلوبكم بالرب". وفي كل قول أو فعل فليكن "باسم الرب يسوع شاكرين الله والآب به". والشكر هو أحد العناصر الرئيسية في التسبيح والتمجيد وهو إعلان الامتنان الذي لا يحد بنعمة الله علينا.

 

(10) وصايا الحياة الجديدة لأعضاء الكنيسة ( 3: 18 4: 1)

ثم يوجه الرسول وصايا لأفراد العائلة والمجتمع بالسلوك حسب إنجيل المسيح، ويعطي الكرامة والمساواة : ا) للمرأة التي بحسب الشريعة اليهودية لم تكن شخصاً له حقوق بل يمكن أن يطلقها زوجها لأتفه الأسباب، وفي المجتمع اليوناني كانت المرأة الشريفة تعيش حياة العزلة والعفة الكاملة بينما كان للزوج الحرية المطلقة خارج دائرة الزواج، ومن هنا حرصت الوصية على أن تكون الالتزامات متبادَلة بين الزوجين. ب) وبالمثل كان للآباء مطلق السيادة على الأبناء بحسب القانون الروماني فكان للآباء الحقوق وللأبناء الواجبات، فكانت الوصية بالالتزامات المتبادلة بينهما. ج) وكان العبد شيئاً لا حقوق له ولا حتى حق الزواج وإن حدث وأنجب طفلاً غير شرعي يصير ملكاً للسيد، وهو معرض للعقاب والتعذيب إلى حد القتل دون عقوبة. فللسيد وحده فقط كل الحقوق. وها هو الرسول يطالب بالالتزامات المتبادلة بين السادة والعبيد لأنهم في المسيح صاروا أولاد الله.

فإذا كان على الزوجة أن تخضع لزوجها وتطيعه "كما يليق في الرب" فالزوج مطالب أيضاً أن يحب امرأته وأن يعاملها بكل مودة ورقة وألا يستخدم معها القسوة والشدة بأي حال كما كان يفعل قبل الإيمان. فهي رفيقة الحياة وأم أولاده التي ترعى الجميع وكل منهما يكمل الآخر، وهذا يحفظ كيان العائلة وسلامها.

وكما بدأ الوصية للزوجة قبل الزوج ها هو الرسول يوجهها أولاً للأولاد قبل الوالدين مطالباً إياهم بالطاعة في كل شيء (كما كان الفتى يسوع خاضعاً لوالديه لو 50:2)، وأنهم في هذا يرضون الله. وفي نفس الوقت يوصي الآباء (وطبعاً الأمهات) بالمعاملة المتوازنة، فلا تدليل وأيضاً بغير قسوة وانتقاد وشدة تؤدي إلى شعورهم بالدونية والإهانة مما يقودهم إلى التمرد والانحراف فتنتهي حياتهم إلى الفشل. فالمطلوب هو الحب الملتزم الذي يتضمن الحنان والرعاية والتشجيع، وأيضاً التقويم والتأديب بغير مغالاة أو قسوة لأنه لا يقصد في النهاية غير خير ابنه وتنشئته بصورة مُرضية، وهو في هذا يمارس أبوته لحساب الله وخلاص أولاده.

ثم نأتي إلى العلاقة بين السيد والعبد ......                                                                                                                 (يتبع)



([1]) مرة أخرى يربط الرسول بولس حياتنا بالمسيح في رسالته إلى أهل فيلبي فيكتب: "لي الحياة هي المسيح والموت ربح" (في 21:1)، وقبلها في رسالته إلى غلاطية يكتب: "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ " (غل 20:2) فالمسيح ليس فقط مصدر الحياة بل هو الحياة ذاتها.

([2]) "ولكن إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون" (رو 13:8). وهو نفس المعنى الذي قصده المسيح في قوله: "إن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها والقها عنك لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم. وإن كانت يدك اليمنى تعثرك فاقطعها والقها عنك..." (مت 5: 29، 30).

([3]) والقديس بطرس أيضاً في رسالته الأولى يخاطب المؤمنين بقوله: "وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء... الذين قبلاً لم تكونوا شعباً وأما الآن فأنتم شعب الله" (1بط 2: 9، 10).