مذكرات مختصرة عن الكتاب المقدس

-61-

رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسى

(الجزء الثانى)

 

 أقسام الرسالة :

(1) التحية الرسولية (24:1 3:2)؛

(2) شكر الله على إيمان ومحبة مسيحيي كولوسي وعلى ثمار الكرازة بالإنجيل بينهم على يد أبَفْراس (3:1-8)؛

(3) صلاة من أجل الامتلاء من الحكمة والفهم الروحي والعمل الصالح والنمو في معرفة الله  (9:1-11)؛

(4) شكر الله الذي أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته الذي غفر خطايانا بدمه (1: 12-14)؛

(5) مجد وعظمة المسيح "صورة الله غير المنظور" والذي فيه خلق الكل، وهو رأس الجسد أي الكنيسة، ومن بدم صليبه صالح الكل لنفسه (15:1-23)؛

(6) خدمة الرسول بولس وجهاده لنشر المعرفة بسر المسيح "المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم" (24:1-2: 3)؛

(7) تحذير من التعاليم الزائفة وعظم ما نلناه في المسيح (2: 4-15)

(8) لا للفرائض الناموسية (16:2-23)؛

(9) الحياة الجديدة التي نلناها بموتنا وقيامتنا مع المسيح وعلامتها خلع الإنسان العتيق ولبس الجديد أي التحلي بفضائل القداسة (1:3-17)؛

(10) وصايا الحياة الجديدة للنساء والرجال، والأولاد والوالدين، والعبيد والسادة (18:3- 1:4)؛

(11) حث على الصلاة والتضرع لأجل خدمته والتعامل الحكيم مع غير المؤمنين من أجل كرازتهم بالإنجيل (2:4-6)؛

(12) تحيات ختامية وسلام من القديس بولس ورفاقه بالاسم إلى شعب كولوسي ومن يخدمونه، ووصايا للبعض، ودعاء لأجل الجميع (7:4-18).

 

شــرح الرسالــــة

 

(1) مقدمة : التحية الرسولية وشكر الله على إيمان الكولوسيين (1 : 1-8)

الحق الذي يستند إليه الرسول بولس في كتابة رسالته إلى أهل كولوسي (الذين لم يلتق بهم) هو أنه "رسول يسوع المسيح بمشيئة الله" (أي المختار من الله بالنعمة)، وليس أنه فرض نفسه على هذه الخدمة بحسب قول الرب: "لستم أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم" (يو16:15). ويشرك معه في التحية وتقديم الرسالة تيموثاوس الذي يعتبره ابنه الحبيب (1تي 2:1، 18، 2تي 2:1، 1:2)، ولكنه هنا يسميه "الأخ" شريكه في الخدمة (فل 1)، وهو اللقب الذي أطلقه على الكثيرين ممن خدموا معه (كوارتُس رو 23:16 ، سوستانيس 1كو1:1، أبلّوس 1كو 12:16، فليمون فل 7، 20). عندما تسود المحبة خدام المسيح تزول الفوارق ويصبح الجميع إخوة في المسيح.

وهو يوجه رسالته إلى أعضاء كنيسة كولوسي: "الإخوة المؤمنين في المسيح" أي "القديسين"، كما يدعو كل المقدَّسين في المسيح (رو 7:1، 1كو 2:1، 2كو 1:1، أف 1:1، في 1:1، عب 1:3)، مصلياً أن تفيض عليهم النعمة والسلام من الله الآب والرب يسوع المسيح.

وهو يبتهج بما عرفه عنهم من خلال خادمهم الأمين للمسيح "ابَفْراس العبد الحبيب معنا"، مقدماً الشكر لله على الأخبار السارة عن إيمانهم بالمسيح والمحبة التي تسودهم، مصلياً مع إخوته من أجل تمسكهم بالرجاء الموضوع لهم في السموات، والذي بُشروا به في الإنجيل كما بُشر به العالم من حولهم، والذي أثمر فيهم إيماناً ومحبةً في الروح لله وللإخوة. وهذا الرجاء هو ما يسندنا في جهادنا ويعيننا في تجاربنا وآلامنا ويعبر بنا الزمان الحاضر إلى أن نستوطن عند الرب.

 

(2) صلاة من أجل الامتلاء والنمو وشكر الله على خلاصه (1: 9 - 14)

كل المؤمنين يحتاجون إلى مثل هذه الصلاة:

+ أن نمتليء من معرفة إرادة الله، وسبيلنا إليها هو من خلال الصلاة التي نلتمس فيها ما يريده الله منا لا ما نريده نحن من الله، وأيضاً من خلال كلمة الله وحفظها وطاعتها ففيها أُعلنت إرادة الله. والحكمة (صوفيا) هي التعرف المبدئي على الوصية أما الفهم الروحي فهو تطبيق الوصية بكل جدية بمعونة النعمة وتحولها إلى سلوك بحسب الحق الإلهي الذي في الإنجيل بما يرضي الله، والذي يثمر عملاً صالحاً ونمواً في معرفة الله.

فالأعمال هي الوجه الآخر للإيمان (العامل بالمحبة غل 6:5)، وهي التي سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها (أف 10:2).. فالإيمان ليس نصوصاً جامدة أو عقائد تتلى، وإنما هو حياة ومحبة لله وللقريب، والكرازة بالإنجيل، وخدمة الله وكل محتاج كأنه المسيح (جعت فأطعمتوني مت 25: 35). كما أن معرفة الله هي تاج وأصل كل معرفة، وهي التي نظل ننمو فيها كل الحياة دون أن ننتهي "لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله إلي قياس ملء المسيح" (أف 19:3، 13:4).

+ وأن نتقوى "بكل قوة بحسب قدرة مجده لكل صبر وطول أناة بفرح".

نعم .. فالإيمان يتطلب الصبر (يع 3:1)، وانتظار الثمر يقتضي الصبر (لو 15:8)، واقتناء النفس أيضاً يحتاج إلى الصبر (لو 21:19)، كما أن الصبر هو قرين الرجاء (1تس 3:1)، والجهاد (عب 1:12). والقديس بولس تعلم في خدمته أن يصبر على كل شيء (2تي 10:2)، ومكتوب عن الله أنه "إله الصبر والتعزية" (رو 5:15، 2تس 5:3).

والصبر ليس هو التحمل الساكن الخانع ولكنه الصمود القوي المتطلع إلى الظفر والذي نثق أنه سيأتي في أوانه، وطول الأناة هو الصبر الممتد في التعامل مع الآخر وعدم التعجل في الحكم، واحتمال ضعف الناس وشرهم وبغضتهم وغباوتهم وترجّي الخير فيهم في نهاية المطاف. وكلا الفضيلتين تتطلبان قوةً من فوق لاقتنائهما وتوهجهما كل الحياة.

وعندما يرافق الفرح الصبر وطول الأناة فهذا يعني أنهما ليسا حيلة العاجز يرافقهما القهر والاكتئاب، وإنما هما بالقوة الممنوحة من الله "بحسب قدرة مجده" يصيران هبتين إلهيتين للتعامل مع مواقف الحياة التي يسمح بها الله. ومع التسليم لقيادة الله يكون الفرح والسلام بأننا ننفذ "إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة" (رو 2:12).

وفي ختام هذا المدخل يشكر القديس بولس الله الآب الذي "أهلنا لشركة ميراث القديسين في النور". فالذي أعده الله لقديسيه من الميراث السماوي أنعم به علينا. وبعد أن كنا أمواتاً بالذنوب والخطايا كأبناء الغضب (أف 2: 1، 3)، مستعبدين تحت "سلطان الظلمة، نقلنا إلى ملكوت ابن محبته" (كما يُنقل المسبيون من بلادهم إلى المملكة المنتصرة)، الذي بدم صليبه نلنا غفراناً هذا مقداره. وهكذا نال الكولوسيون الغرباء نصيباً مكافئاً مع المقدَّسين (أع 18:26). وهذا الانتقال يعني الخروج من الظلمة إلى النور، ومن العبودية إلى الحرية، ومن الحكم تحت الدينونة إلى الغفران، ومن سلطان الشيطان إلى سلطان الله.

 

(3) مجد وعظمة المسيح رأس الجسد الكنيسة (1 : 15-23)

+ لم يكن المسيح واحداً من الانبثاقات (أو الوسطاء)، كما يقول الغنوسيون، وإنما هو "صورة (أيقونة) الله غير المنظور" أي أن الله الذي لم يره أحد قط رأيناه في المسيح المتجسد (يو 14:1، 18، 10: 30، 14: 10، 11). وهو لم يكن روحاً ذا جسد خيالي، بل يحل فيه ملء اللاهوت جسدياً (2: 9)، وأنه قد صالحنا مع الله الآب "في جسم بشريته" (21:1)، فإذا كانت المادة شراً وبالتالي الجسد كما يقول الغنوسيون، فتجسد المسيح يصحح هذا الفكر وأن الله بالفعل جاء في جسد الإنسان. وهو الأزلي قبل كل الخلائق (بكر كل خليقة)([1])، وأن فيه "خُلق الكل ما في السماوات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى سواءٌ كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين (رتب الملائكة) الكل به وله قد خُلق" (1: 15، 16)، "الذي هو قبل كل شيء" (1: 17)، "الذي هو البداءة" (1: 18)، وهو كلي القداسة (عب 26:7)، وهو الديان (يو 15: 22، رو 16:2).

والرسول بولس يرد هنا على الغنوسيين فيما يتعلق بتمجيدهم للملائكة وقدراتهم مؤكداً أن الرب لم يكن في رتبة الملائكة، وإنما هو خالق الملائكة بكل رتبهم، وهو أعظم منهم مقاماً، وأنهم يخدمونه في السماويات (الكل.. له قد خُلق)، ولكنه الابن الوحيد المساوي للآب في الجوهر (أنا والآب واحد يو 30:10) وهو الأزلي (هو قبل كل شيء) وغاية كل الخليقة (وفيه يقوم الكل). فهو ضابط الكل صانع قوانين الوجود ومنظم الكون.

+ وهو بالنسبة للكنيسة:

   رأس الجسد: فالكنيسة، أي جماعة المؤمنين، هي متحدة في المسيح في جسد يمتد عبر الدهور، وتحقق بأمانتها مشيئة المسيح، الذي هو رأس الجسد ومصدر قوته، الذي يقوده ويحركه ويوجهه ويؤلف ما بين أعضائه ("وإياه جعل رأساً فوق كل شيء للكنيسة التي هي جسده ملء الذي يملأ الكل في الكل- أف 1: 22، 23؛ "لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد" -أع28:17).

   وهو مؤسس الكنيسة (البداءة): بتجسده، وشارك الإنسان طبيعته، وصالحه لنفسه ومع الآب بالصليب، إذ بذل ذاته فداءً عنه "وأن يصالح به الكل لنفسه عاملاً الصلح بدم صليبه([2]) بواسطته" (1: 20)، وقام منتصراً على الموت محققاً الخلاص ووهبنا القيامة بقيامته (بكر من الأموات باكورة الراقدين 1كو 15: 20)، وهو "حيٌ إلى أبد الآبدين" (رؤ1: 18). فهو لم يؤسس الكنيسة ومضى، ولكنه حيٌ في كنيسته باقٍ فيها إلى الأبد وسيمجد كنيسته عند مجيئه الثاني.

+ المصالحة: والقديس بولس يشير إلى أن المصالحة امتدت إلى "ما كان على الأرض أم ما في السموات" بما يعني أن السلام الغائب يعود بين السماء والأرض. فالتجسد قدّس الإنسان جسداً وروحاً، وحياة المسيح على الأرض قدست الأرض وما فيها، وفي الإفخارستيا نستخدم الخبز والخمر، وسائر الأسرار تبارك الماء والزيت وغيره، والعداوة القديمة بين السماء والأرض سقطت بالصليب "وأنتم الذين كنتم قبلاً أجنبيين وأعداء في الفكر في الأعمال الشريرة قد صالحكم الآن في جسم بشريته بالموت" (1: 21، 22).

ونتيجة المصالحة هي "ليحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه" أي سقطت الاتهامات ومعها العقوبات. ولكن هناك شرطاً لدوام حالة القداسة هي "إن ثبتم على الإيمان متأسسين وراسخين وغير منتقلين عن رجاء الإنجيل (أي دون ارتدادٍ إلى الماضي)"، مستندين في ذلك إلى عمل الروح القدس المؤازر للجهاد وليس بالجهد الذاتي لضبط الشهوات، وأن يكون كل ما نفعل هو في المسيح الذي يحل محل الذات، وهو النهج المضاد لسلوك الغنوسيين.



([1]) "أنا أيضاً أجعله بكراً أعلى من ملوك الأرض" (مز 89: 27).

([2]) التحم الرب بالصليب كأنه صار معه واحداً وهكذا ينسب الدم مباشرة إلى الصليب.