مذكرات مختصرة عن الكتاب المقدس

-60-

رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسى

(الجزء الأول)

مقدمة عن الرسالة

 

رسالة القديس بولس الرسول إلى مؤمني كولوسى هي واحدة من رسائله الأربع التي أرسلها خلال فترة سجنه الأول في روما (أع 30:28). والرسائل الثلاث الأخرى كانت اثنتان منهما لمؤمني أفسس وفيلبي (والتي سبق لنا دراستهما)، والأخيرة كانت لفليمون صديق القديس بولس وأحد أثرياء كولوسى بشأن عبده الهارب أنسيمس Onesimus.

عن كنيسة كولوسى:

كانت كولوسى Colossae مدينة صغيرة ضمن إقليم فريجية Phrygia في آسيا الصغرى، وتقع على بعد نحو 160 كم إلى الشرق من أفسس، وبقربها مدينتا لاودكية Leodicea (كو1:2، 13:4، 15، 16، رؤ 11:1، 4:3) وهيرابوليس Hierapolis الكبيرتان؛ ويقع الثلاثة في وادي نهر ليكوس Lycus. وقد دمر زلزال مدينة كولوسي في عهد نيرون ولم يبق منها الآن غير أطلالها. وكان يعيش في كولوسي، إضافة إلى غالبية شعبها الأممي، عدد كبير من اليهود الذين لجأوا إلى فريجية من المشرق (من فلسطين وما بين النهرين) من وجه اضطهاد أنطيوخس الثالث (الكبير) والرابع قبل نحو قرنين من ميلاد المسيح، وصار بعضهم من الأثرياء وذوي النفوذ.

لم يكن القديس بولس بنفسه هو من أسس كنيسة كولوسي، فهو لم يقم بزيارتها مرة واحدة أو رأى أهلها كما يتضح من الرسالة (كو 4:1، 7-9، 1:2) [وإن كان قد مرّ في فريجية في رحلته الكرازية الثانية (أع 6:16) وبداية الثالثة (أع 23:18)]، ولكنه ولاشك كان وراء تأسيسها، خلال السنوات الثلاث التي قضاها في أفسس (أع 31:20) في رحلته الثالثة، حيث بلغت كلمة الله كل المنطقة المحيطة "حتى سمع كلمة الرب يسوع جميع الساكنين في آسيا من يهود ويونانيين" (أع 10:19). والمرجّح أن يكون إبفْراس Epaphras، أحد مؤمني كولوسي، والمكتوب عنه "العبد الحبيب معنا الذي هو خادم أمين للمسيح لأجلكم" (كو7:1، 12:4، 13). وربما كانت كولوسي أصغر مدينة وكنيسة كتب إليها معلمنا القديس بولس إحدى رسائله فدخلت بذلك التاريخ المسيحي.

عن الرسالة:

تشير مقدمة الرسالة (كو 8:1) أن إبَفْراس هو الذي حمل إلى القديس بولس في سجنه أحوال كنيسة كولوسي. وكان بعضها أخباراً سارة وفرح لها القديس بولس وشكر الرب عليها (كو4:1-8، 5:2) وكان بعضها بوادر مقلقة لأخطار تهدد الكنيسة حذّر منها ("انظروا ألا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل حسب تقليد الناس حسب أركان العالم وليس حسب المسيح" (كو 8:2). وكان مُحّتماً محاصرة هذه الأفكار المضادة وحماية المؤمنين من آثارها.

لم تفصح الرسالة بصورة مباشرة عن فحوى الضلالة التي حاقت بالكرازة في كولوسي، ولكن تكشف أبعادها آيات الأصحاحين الأول والثاني، التي وهي تؤكد على رفعة شخص المسيح "المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم" (كو 3:2)، ولاهوته وتجسده وموته الكفاري، وأن فيه الرجاء لكل المؤمنين للغفران والسلام مع الله(*)، فهذا يشي أن البدع التي تسللت إلى كولوسي كانت تطعن في لاهوت المسيح كخالق الكل وتنتقص من قدره وجدارته الفائقة، وتهاجم سمو مكانته وتفرّده وكفايته للمؤمن.

كانت هذه البدع انعكاساً لأفكار من الفلسفات اليونانية الوثنية التي سادت مجتمعات الأمم وقت بزوغ أنوار العهد الجديد، وهي مقدمات لما عرف فيما بعد (من خلال كتاب القرن المسيحي الثاني) باسم الغنوسية، إضافة إلى سعي اليهود لفرض التهود، أي تبنّي المؤمنين الجدد من الأمم ممارسات العهد القديم الناموسية([1])، بحيث صارت الضلالة السائدة في حقيقتها غنوسية ذات صبغة يهودية.

وبينما كان المعلمون الكذبة يدّعون أنهم يبشرون بفلسفة أرقى من الفكر المسيحي (كو 4:2، 8، 18) فإن القديس بولس في دحضه لهذه الأفكار كان يعمد لاستخدام بعض مفرداتها: المعرفة، الحكمة، العلم، الفهم، السر، وإنما بالمعنى المسيحي المضاد([2]).

وفي الجزء الثاني من الرسالة (الأصحاحين الثالث والرابع) لم يغفل الرسول بولس أن يحث مؤمني كولوسي على التقدم والنمو في الحياة الجديدة، كقائمين مع المسيح من الموت، والتحرر من الخطايا القديمة، وتبني الفضائل المسيحية والسلوك معاً بالمحبة والتسامح، مع وصايا خاصة للرجال والنساء والأولاد والعبيد والسادة.

وقد حمل الرسالة إلى أهل كولوسي، وكتبها إملاءً من القديس بولس السجين، تلميذه تيخيكس (من أهل آسيا- أع 20: 4) ويلقبه "الأخ الحبيب والخادم الأمين والعبد معنا في الرب" (كو 7:4) ومعه أُنسيمُس "الأخ الأمين الحبيب" (كو 9:4) وهو الذي كان عبداً وهرب من سيده فليمون في كولوسي وأتى إلى بولس في روما وقبل الإيمان وصار خادماً للرب وأخاً وشريكاً للقديس بولس، وفيما بعد حمل أنسيمس رسالة من القديس بولس إلى سيده القديم كي يقبله مسامحاً لا كعبد فيما بعد بل كأخ في المسيح (فل 16).

عن الغنوسية:

الغنوسية Gnosticism (من الكلمة اليونانية Gnosis بمعنى المعرفة أو العلم) تطلق تقليدياً على هرطقة فلسفية ظهرت أواخر القرن المسيحي الأول وانتشرت في القرن الثاني وما بعده([3]). ولم تقتصر فقط على كولوسي وإنما انتشرت في مواقع أخرى، كما يتبيّن من قراءة الرسائل الرعوية الأخرى التي تشير إلى الاعتداد بالعلم والانتفاخ به (1كو 1:8) وحكمة الكلام (1كو 17:1)، وما يسميه القديس بولس "تعاليم شياطين" و "الخرافات الدنسة العجائزية" (1تي 1:4، 7) و "الكلام الباطل الدنس ومخالفات العلم الكاذب الاسم" (1تي20:6) و"الأقوال الباطلة الدنسة" (2تي 11:2).

وقد اختلطت هذه الفلسفة مع بداية الكرازة المسيحية بالتأثير اليهودي ومحاولة فرض الممارسات الناموسية التي سماها القديس بولس "الخرافات اليهودية ووصايا أناس مرتّدين عن الحق" (تي 14:1) وضمنها ما يتعلق بنجاسة الأشياء (تي 15:1) والامتناع عن أطعمة بعينها (1تي 3:4).

كانت الغنوسية تعلي من قدر العلم والمعرفة وأن العقل قادر أن يستوعب كل شيء. وأعتقدت وقد ساد وقتها علم التنجيم في تأثير النجوم والكواكب والقوى الكونية على البشر، وأيضاً تأثير الأرواح (كو 16:1، 20، 2: 15) وعبادة الملائكة (كو 18:2) كوسطاء آخرين بين الله والناس [خصماً من عمل المسيح، الإله الواحد والوسيط الواحد (1تي 5:2) والشفيع الوحيد (1يو 1:2)].

وبحسب هذه الفلسفة فإن الروح هي الصالحة، أما المادة فهي شر وفاسدة في جوهرها، وإن كانت أزلية وبالتالي فإن الكون لم يخلق من العدم وإنما من هذه المادة الفاسدة. ترتب على هذا الفكر النتائج التالية :

(1) طالما أن الله روح فهو صالح، ومن ثم فهو لا يمكن أن يتعامل مع المادة الشريرة، أي أنه ليس خالق الكل. والحل الذي يقدمه الغنوسيون (أو العارفون) لهذه الإشكالية هو أن الله وضع سلسلة متتالية من الانبثاقات كل منها يبعد قليلاً عن الله، وأخرها الأقصى بُعداً عن الله، وأكثرها جهلاً به وعداء له هو الذي لمس المادة وشكّل منها العالم (وكان تعليم القديس بولس المضاد لهذه الضلالة هو أن كل شيء خُلق بالابن الذي هو في الآب ويعرفه ويحبه).

(2) أنه إذا كان المسيح هو ابن الله فهو لا يمكن أن يتخذ جسداً بشرياً مادياً فاسداً، فالغنوسيون يطعنون في حقيقة التجسد، وأن ما بدا للناس أنه جسد المسيح هو مجرد جسد خيالي أثيري، حتى أنه لما كان يمشي لم يكن يترك على الأرض أثراً لقدميه. وهذا الفكر بالتالي ينفي حقيقة الصلب أو أن يسوع قد صالحنا في "جسم بشريته" (كو 22:1) ([4]).

(3) أنه إذا كانت المادة شراً يكون الجسد أيضاً شراً، ويكون التعامل معه على أحد وجهين متناقضين الأول: أن نمارس تأديبه وعقابه بالتقشف الشديد والتشدد في النسك والجوع الزائد واحتقاره ورفض رغباته حتى إلى منع الزواج (1تي 3:4)، والثاني أنه لا يهم وبالتالي يباح له إطلاق شهواته ونزواته، ولا فرق إذاً بين متعفف ومستبيح. ولاشك أن الغنوسية وجدت تربة خصبة في البيئة الوثنية بانحرافاتها السلوكية وحريتها الجنسية التي كانت تختلط بطقوس العبادة في الهياكل.

(يتبع(



(*) (*) لا تنفرد رسالة كولوسي وحدها بهذه النصوص عن رفعة مقام المسيح، وإنما سبقت الإشارة عن سمو شخص المسيح في رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل كورنثوس "رب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به" (1كو6:8).

([1]) وهي ما يسميه القديس بولس في الرسالة "ظل الأمور العتيدة" (كو 17:2) من ناحية الأكل والشرب والأعياد والأهلّة والسبوت (كو 16:2) ونجاسة الأشياء "لا تمس ولا تذق ولا تجس" (كو 21:2) والختان (كو 11:2)، وما قاومه القديس بولس من قبل (غل 14:2-16)، وما بادر مجمع أورشليم الأول بتحرير "الراجعين إلى الله من الأمم" (أع 19:15) من نيره. وإن كان البعض يرجح انتسابها إلى "فيلو" اليهودي وبعض تعاليم المتصوفة الربيين اليهود من الإسكندرية المعروفة بالحكمة الإلهية Theosophy من جهة السبت والأعياد لكي تملأ الفراغ بين الله والإنسان، والتي عرفت فيما بعد بتعليم الكابالا Cabbala.

([2]) كما سبق له أن أشار، في رسالته الأولى إلى كورنثوس، إلى "حكمة ليست من هذا الدهر" (1كو 6:2) "يُعلمّها الروح القدس" (1كو 13:2) وأن لنا "فكر المسيح" بديلاً عن حكمة الكلام (1كو 16:2).

([3]) قيل أن انتشار الغنوسية كان بعد زمن القديس بولس بفترة طويلة، وبالتالي لا يكون هو كاتب الرسالة، وأنها كتبت بعده. ولكن اسم القديس بولس واضح عليها ومعه الخدام الذين شاركوا في خدمة شعب كولوسي وكانوا حلقة الوصل بينهم وبينه. وليس خافياً أن الفلسفة الغنوسية لها جذورها في الثقافة اليونانية عموماً (سقراط وأفلاطون وأرسطو).

([4]) وقد أشار القديس يوحنا في رسالتيه (المكتوبتين أواخر القرن الأول) إلى البدع التي تنكر تجسد المسيح (1يو2:4، 2يو 7)، ووصف من ينادي بذلك أنه "ليس من الله" وأنه "المضل" و"الضد للمسيح".