مذكرات مختصرة عن الكتاب المقدس

-71-

رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل تسالونيكى

 

(الجزء السابع)

 

الأصحـاح الخامس (تكملة)

 

2 - أبناء النور مستعدون دوماً (5 - 11)

يعود القديس بولس فيؤكد أن المفاجأة المباغتة والرعب الكاسح من الهلاك القادم هو فقط من نصيب الأشرار، فالمؤمنون السابحون في النور، هم دوماً مستعدون للقاء الرب كل يوم "وأما أنتم أيها الإخوة فلستم في ظلمة (التي يرتع فيها ويتستر بها الأشرار([1])) حتى يدرككم ذلك اليوم كلص. جميعكم أبناء نور (لو16: 8، يو12: 36، أف5: 8) وأبناء نهار. لسنا من ليل ولا من ظلمة".

نحن إذاً لسنا كالباقين.. فلا ننم بل "لنسهر ونصحُ"، "اسهروا إذاً لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم" (مت 24: 42)، وكونوا دوماً مستعدين "لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان" (مت24: 44).

ويواصل القديس بولس المقارنة بين أبناء النور وأبناء الليل والظلمة. فبينما الأولون ساهرون مستعدون، فإن أبناء الليل يغطون في النوم كأنهم مغيَّبون عن مصيرهم، وضمائرهم لا تبكتهم. هم فقط غارقون في مسرات الحياة وغناها ولذاتها (لو8: 14) ويسكرون "بالخمر الذي فيه الخلاعة" (أف 5: 18).

يصير لزاماً على "الذين من نهار" أن ينتبهوا ويظلوا دائماً صاحين يقظين، متسلحين "بدرع الإيمان والمحبة وخوذة هي رجاء الخلاص". فالرسول يوجه الأنظار إلى دعائم الفضيلة المسيحية الثلاث: الإيمان والرجاء والمحبة، مشدداً على الروابط الوثيقة بين الإيمان والمحبة، فهي سندنا المكين في جهادنا ونحن ساهرون. وكما تعّود القديس بولس فهو يقتبس هنا من مشهد الجندي الروماني المحارب ما ينبغي أن يتسلح به المؤمن المسيحي في جهاده الروحي "نلبس أسلحة النور" (رو13: 12)، "البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس.. احملوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تقاوموا في اليوم الشرير.. فاثبتوا ممنطقين أحقاءكم بالحق، ولابسين درع البر.. حاملين فوق الكل ترس الإيمان.. وخذوا خوذة الخلاص وسيف الروح الذي هو كلمة الله" (أف 6: 11-17).

فنصيبنا هو شركة الحياة، و"الله لم يجعلنا للغضب بل لاقتناء الخلاص (وراثة الملكوت المُعد لنا منذ تأسيس العالم مت25: 34) بربنا يسوع المسيح الذي مات لأجلنا (أي صار لنا الخلاص بموته وقيامته)". والذين تنتظرهم هذه النهاية السعيدة يستخدمون كل أسلحة النعمة لكي ينتصروا ويلبسوا إكليل الحياة (يع1: 12، رؤ 2: 10) وإكليل المجد (1بط 5: 4) "حتى إذا سهرنا أو نمنا (رقدنا بالجسد) نحيا جميعاً معه (سواء في حياتنا أو بعد مماتنا)".

وكما سبق وأوصى أن يُبشر كل واحد أخاه بما ناله من المعرفة أو الاختبار (4: 17)، ها هو القديس بولس يطالب كل منا أن يذيع الأخبار السارة "لذلك عزوا بعضكم بعضاً"، ويضيف هنا "وابنوا أحدكم الآخر كما تفعلون أيضاً" كأنه لا يقدم وصية جديدة وإنما يؤكد على السلوك السائد في كنيستهم.

3 - عن العلاقات بين أعضاء الكنيسة (5: 12 15)

الوصايا التالية تتصل بالعلاقات بين أعضاء الكنيسة ومرشديهم وبين بعضهم البعض من أجل ضمان وحدة الكنيسة.

+ فكما يبذل الشيوخ والخدام أنفسهم من أجل المؤمنين، هكذا ينبغي أيضاً أن يعّبر هؤلاء عن محبتهم وتقديرهم وامتنانهم لهم "الذين يتعبون بينكم ويدبرونكم في الرب وينذرونكم (يحثونكم على التوبة عند تجاوزكم)". فالخادم الباذل يحتاج أيضاً للتشجيع وأن يشعر أن خدمته تجد صداها عند المخدومين كإعلان عن رضى الله عن عمله.

وفيما يتصل بالعلاقات بين أعضاء الكنيسة: خداماً ومخدومين، فالقديس بولس يوصي ببذل كل جهد لضمان السلام ومنع الجدل والخصومات والانقسام وتضارب الآراء. فالذات تتوارى، والتنازلات وتقديم كل واحد الآخر في الكرامة هو القانون كي لا يعطوا لإبليس مكاناً.

+ ويخاطب المدبرين والشيوخ أن يمارسوا دورهم في إنذار المنحرفين "الذين بلا ترتيب" ويكون سلوكهم نشازاً لأنهم يسببون الانقسام ويهددون سلام الكنيسة (مثل هؤلاء الكسالى الذين لا يعملون ويريدون أن يتكلوا تماماً على معونة الكنيسة). على الجانب المقابل عليهم أن يشجعوا صغار النفوس وأن يسندوا الضعفاء، سواء من يعانون من مشاكل نفسية أو روحية، أو من أتوا من بيئات فقيرة، أو أقليات ربما تشعر بالدونية. فيُفترض أن الكنيسة تحتضن الجميع، والإيمان بالمسيح يوحد الكل في الواحد. وسيتطلب الأمر طول أناة وصبراً وجهاداً روحياً عميقاً، حتى ينصهر الجميع في روح واحد.

+ وفي العلاقات بين الجميع، ينبغي التأكيد على الممارسة بحسب الإنجيل ووصايا المسيح "لا تقاوموا الشر.. أحبوا أعداءكم" (مت 5: 39، 43-47)، "لا يجازي أحدٌ أحداً عن شر بشر"، فهذا ليس سلوكاً مسيحياً "لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير" (رو12: 21). فالشر يؤججه الشر ولكن يطفئه الخير والتسامح "بل كل حين اتبعوا الخير بعضكم لبعض وللجميع (غير المؤمنين)".

4 - وصايا للنمو في حياة القداسة (5: 16-23)

+ من المدهش أن يوصي القديس بولس المؤمنين بأن "افرحوا كل حين". فهل الفرح فعل إرادي؟ وكيف يفرح المتألمون والمُضطهدون أو من هم في ضيقة؟. بالطبع هو هنا لا يقصد السرور أو البهجة وإنما هو ذلك الانفعال العميق الذي يهبه الروح القدس لمن وُلدوا من جديد "أما ثمر الروح فهو محبة، فرح..." (رو14: 17، غل5: 22). وهو الهبة الإلهية وحائط الصد أمام هجوم الآلام. فالإيمان يقرن مباشرة التجارب والإضطهاد بتجديد الحياة، والضيقة بالمجد الأبدي (رو17:8، 2كو4: 16، 17). والقديس يعقوب يكتب "احسبوه كل فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة. عالمين أن امتحان إيمانكم ينشيء صبراً" (يع1: 2، 3). فكل ما يأتي علينا هو بسماح من الله، والمؤمن تعلّم في الضيقة أن يفرح ويشكر كهبة إلهية لا يستطيعها غير المؤمنين. وقد يكون الحزن العاطفي في صفحة القلب ولكن الأعماق تمتليء بالتسليم والقبول بترتيب الله.

+ "صلوا بلا انقطاع" أي نختبر الاتصال بالله كل حين.. خلال العمل وفي البيت وفي الطريق وفي التعامل مع الجميع، فضلاً عن العبادة والتسبيح والخدمة والتعليم. هكذا تتحد إرادة المسيحي مع إرادة الله ويصير كل ما يفعله متجاوباً مع إنجيل المسيح.

+ "اشكروا في كل شيء" أي في كل حال وعلى كل حال مهما ضاقت واستحكمت حلقات التجارب.. فالشكر يجّرد التجارب من لدغتها السامة ويجعلها سبباً للنمو في معرفة الله الذي سمح بها "لأن هذه هي مشيئة الله في المسيح يسوع من جهتكم" وهو ما يجعلنا نقبل الآلام شاكرين.

+ "لا تطفئوا الروح" : الروح القدس هو الواهب الحياة الجديدة ومعها القداسة وكل فضيلة وهو المعزّي في الضيق وهو الملهم بكل ما هو حق وجليل وعادل وطاهر ومسّر وصيته حسن (في 4: 8). والسماح بقبول الخطية والتهرب من التوبة وعدم الإصغاء لصوت الروح (أو حتى التعاجب بمواهب الروح وإشعال الجدل في الكنيسة) يقود إلى إحزان الروح (أف30:4)، والدخول في حالة تأرجح بين الخير والشر وفقدان السلام. وبالإمعان في هذا التوجه دون تراجع أو توبة، يذبل الروح ويشحب ويقترب من الانطفاء أي الحرمان من النور والحياة في الظلام. وكمؤمنين قد انتقلوا من الحياة الوثنية فهو ينبههم ألا يسمحوا ببلوغ هذه المرحلة المحزنة.

+ "لا تحتقروا النبوات" فكل ما يصدر من الله من كلام جدير بالتصديق والطاعة والتوقير، والنبوات في العهدين هي إعلان إرادة الله. وكلمة الله هي سراج ونور لطريق كل مؤمن، وملهم الأنبياء هو الروح القدس، فالتعالي على كلمة الله هو تخبط في طريق الحياة والعيش تحت سيادة الظلمة.

+ "امتحنوا كل شيء"، استخدموا كل موهبة أعطاكم الله إياها كي لا تنساقوا منحازين بغير روية وراء أي فكر. وإنما قيسوا كل شيء على قانون كلمة الله.

+ "تمسكوا بالحسن" التمييز فضيلة إنسانية، فلنتعلم أن نختار ما هو أفضل، ولا يليق أن يستوي في أعيننا الجيد والرديء، فهذا تنازل عن موهبة يتميز بها المؤمن.

+ "امتنعوا عن كل شبه شر"، فكل ما يشتبه فيه أنه شر كلياً أو جزئياً فيجب تجنبه، لأن معظم النار من مستصغر الشرر، وكل ما يحتمل العثرة (حتى وإن لم يكن شراً في ذاته) فمن الأفضل التخلي عنه. والقديس بولس في مجال العثرة كتب أنه "إن كان طعام يعثر أخي فلن آكل لحماً إلى الأبد لئلا أعثر أخي" (1كو8: 13).

5 - صلاة ختامية وتحية وبركة (23 28)

ها هو يصل إلى ختام رسالته فيرفع قلبه بالصلاة سائلاً "إله السلام" أن "يقدسهم بالتمام" أي تقديساً كاملاً "ولتحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم (كل عناصر المؤمن) بلا لوم عند مجيء ربنا يسوع المسيح". فأمر مجيء المسيح هو في فكر القديس بولس بصورة دائمة وهو يوحي به لكل مؤمن لتكون صورة المسيح الديان أمامه في كل حين.

ثم يطلب الصلاة من أجله، فكل خادم يحتاج إلى مساندة مخدوميه له بالصلاة، ويرسل التحية لجميع أعضاء الكنيسة "بقبلة مقدسة"، وهو يطلب أن تُقرأ الرسالة على الجميع كأنها رسالة خاصة لكل واحد من أعضاء الكنيسة.

ثم الختام "نعمة ربنا يسوع المسيح. معكم. آمين" فالنعمة هي أعظم عطية يمكن أن يسأل الخادمُ الرب أن يهبها للمؤمنين.

(تمت الرسالة)



([1]) "وهذه هي الدينونة. أن النور قد جاء إلى العالم، وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة" (يو3: 19) "أنا هو نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون لهم نور الحياة" (يو8: 12) "كل من يؤمن بي لا يمكث في الظلمة" (يو12: 46).