مذكرات مختصرة عن الكتاب المقدس

-70-

رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل تسالونيكى

 

(الجزء السادس)

 

الأصحـاح الرابع (تكملة)

3 - القديس بولس يكتب عن مجيء الرب (4: 13 17)

بحسب ما أخبر به الرب عن مجيئه الثاني لدينونة الأحياء والأموات في اليوم الأخير وعن علامات الأيام الأخيرة (مت10: 28- 33، 16: 27، 22: 30، ص24، 25: 31-46، 26: 64، مر 8: 38، 12: 25، ص13، 14: 62، لو 9: 26، 12: 8، 9، 19: 43، 44، 20: 35، 36، 21: 5-36، 22: 69، يو5: 22، 28-29، ص14-16، أع1: 11)، فقد أستقر أمر مجيئه في قلب وعقل المبشرين الأوائل كحقيقة حتمية هي ختم الخلاص الذي نادوا به، والباب الذي يدلف منه المؤمنون إلى ملكوت المسيح الأبدي. هكذا علم القديس بطرس أيام الكنيسة الأولى (أع3: 21، 10: 42، 43).

ولكن يمكن القول أن ما كتبه القديس بولس إلى أهل تسالونيكي في هذا الصدد (باعتبار رسالته هذه أقدم من الأناجيل) قد يكون أول ما سجله الكتاب عن المجيء الثاني للرب ، مسطّراً ما كشفه له الروح عن علامات وأسرار آخر الأيام، كي لا يفاجأ المؤمنون بأهوالها. ويورد مشاهد من مجيء الرب تضاف إلى ما سبق وأنبأ به الرب قبل صليبه مباشرة (مت24، مر13، لو 21).

وقد كتب القديس بولس ما كتب ليزيل قلق التسالونيكيين من جهة أحبائهم الذين رقدوا (قبل مجيء الرب الذي كانوا يتوقعون اقترابه)، فبدأ بتعزيتهم بالرجاء الذي لنا في المسيح، الذي إذ نوقن أنه مات وقام، فسوف يقوم المؤمنون الذين رقدوا. وبالتالي فلا يليق أن نحزن كالأمم الذين لا رجاء لهم. أي أن رجاءهم في المسيح يضبط حزنهم الطبيعي فلا يتجاوز حدوده، مؤكداً أنه كما "نؤمن أن يسوع مات وقام فكذلك الراقدون بيسوع (أي الذين رقدوا وهم مؤمنون بالرب) سيحضرهم الله أيضاً معه"، أي أنهم سيكونون حاضرين في هذا المشهد المجيد حيث يستدعي الرب نفوسهم من الفردوس لتلتحم بأجسادهم القائمة من القبور.

ثم يقدم بعض التفاصيل أيضاً فيما يتعلق بمن هم أحياء في تلك الساعة (متوقعاً أنه سيكون ضمن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب القريب([1])) أنهم لن يكونوا الجماعة الأولى التي ستكون مع الرب على السحاب، وإنما هم الراقدون أولاً.

والرب بنفسه (بجسده الذي دخل به إلى الأقداس) سوف ينزل من السماء يصحبه هتاف الملائكة (برئيسهم ميخائيل دا 10: 13، 21، رؤ 12: 7) وصوت أبواق. والقديس بولس في هذا يؤمّن على أقوال الرب عند ظهوره في اليوم الأخير وضمنها "حينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء، وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض (الخطاة) ويبصرون ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء بقوة ومجد كثير. فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت، فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح، من أقصاء السموات إلى أقصائها" (مت24: 30، 31، مر13: 26، 27، لو21: 27).

+ وبعد أن يقوم الأموات في المسيح أولاً، يواصل القديس بولس رؤيته، "ثم نحن الأحياء (المؤمنين) الباقين (حتى يوم مجيء الرب) سنُخطف جميعاً معهم في السحب([2]) لملاقاة الرب في الهواء". وهو يضيف إلى ذلك ما كتبه إلى أهل كورنثوس فيما بعد، في مجال الرد على استفساراتهم عن قيامة الأجساد، شارحاً ما يحدث لحظة الاختطاف "لا نرقد كلنا (بمعنى أنه سيكون هناك أحياء عند القيامة الأخيرة) ولكننا كلنا (الأحياء الأبرار) نتغير في لحظة (من الموت إلى القيامة) في طرفة عين عند البوق الأخير. فإنه سيبُوق فيقوم الأموات (الراقدون الأبرار) عديمي فساد (أولاً) ونحن (الأحياء المؤمنين) نتغير، لأن هذا الفاسد (الجسد الترابي) لابد أن يلبس عدم فساد([3])، وهذا المائت عدم موت" (1كو15: 51-53).

+ هكذا فإن المؤمنين (الراقدين) القائمين من الموت، أو من كانوا أحياء وتغيروا في لحظة، وأقتنى الكل جسد القيامة الممجد (على صورة جسد مجد المسيح في 3: 21)، هؤلاء يرافقون الرب في مجيئه للدينونة، حيث الباقون على الأرض هم الأشرار (سواء كانوا أحياء أم راقدين) الذين يقومون هم أيضاً للدينونة (قيامة الدينونة يو 9: 25).

هذا لا يعني أن القيامتين متتابعتان، أي يفصل بينهما فارق زمني. فالزمن الذي نعرفه سيتغير، والسماء والأرض تحل محلهما أخريان جديدتان (2بط 3: 13، رؤ 21: 1)، والأبدية قد بدأت، وكل ما هو مؤقت قد مضى مع كل ما سيمضي.

+ وبالقيامة المجيدة سيكون المؤمنون "كل حين مع الرب". وبهذه النهاية السعيدة التي تختم على الآلام والضيقات والاضطهادات، وتُطوى صفحة أخر عدو يُبطل، أي الموت، يكون ما رد به القديس بولس على من كان يشغلهم مصير الذين رقدوا وهم مؤمنون. وهكذا يختم هذا الفصل بوصيته "لذلك عزوا بعضكم بعضاً بهذا الكلام"، وهو ما ينبغي أن نعزي به أنفسنا، ومن حولنا.. فالمسيح هو رجاؤنا الحقيقي (1تي 1:1)، وقيامته هي رجاء قيامتنا في اليوم الأخير.

 

الأصحـاح الخامس

 

1 - القديس بولس يحث على اليقظة والسهر استعداداً لمجيء الرب المباغت (5: 1 5)

بعد أن كتب القديس بولس عن بعض ملابسات يوم المجيء الثاني للرب، وعن قيامة الراقدين والأحياء في ذلك اليوم، يتحول هنا إلى الجانب العملي، متحدثاً عن موقف المؤمنين بإزاء هذا الحدث العظيم الذي ينتظره بالشوق كل أتباع المسيح، ويتهرب من مواجهته الذين دعاهم الرب فاحتقروا دعوته ورفضوا خلاصه، وتمسكوا بخطيتهم ومحبتهم للعالم الحاضر الشرير، وربما شككوا في إمكان حدوثه قائلين "أين هو موعد مجيئه. لأنه من حين رقد الآباء كل شيء باقٍ هكذا من بدء الخليقة" (2بط 3: 4).

+ "يوم الرب، كلص في الليل، هكذا يجيء" (1-4)

وهو يبدأ بالقول أنه لن يتكلم عن موعد بعينه لمجيء الرب، فالأزمنة (الحقبة من الدهر) والأوقات (الموعد المحدد) "التي جعلها الآب في سلطانه" (أع1: 7) ليس لنا أن نعرفها (مت25: 13، لو12: 45، 46، 17: 26-30)، ولا حاجة لأهل تسالونيكي بالتالي أن يكتب لهم عنها. ويؤكد على السائد في التعليم الكنسي عن رب المجد "أن يوم الرب، كلص في الليل، هكذا يجيء". والرب استخدم نفس التشبيه عندما قال "أنه لو علم رب البيت في أي هزيع يأتي السارق، لسهر ولم يدع بيته ينقب" (مت 24: 43)، وفي الرؤيا يقول (منذراً ملاك ساردس) "كن ساهراً وشدد ما بقى.. فاذكر كيف أخذت وسمعت واحفظ وتب، فأني إن لم تسهر أُقدِم عليك كلص ولا تعلم أية ساعة أُقدِم عليك" (رؤ 3: 2، 3) "ها أنا آتي كلص. طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه لئلا يمشي عرياناً فيروا عريته" (رؤ 16: 15).

+ كما يستخدم القديس بولس تشبيه مفاجأة المخاض للحبلى "لأنه حينما يقولون سلام وأمان (عندما تلهيهم مشاغل الحياة وغرور الغنى ويرون، خداعاً، أنهم آمنون إر 6: 14، 8: 11، حز 13: 10) حينئذ يفاجئهم هلاك بغتة كالمخاض للحبلى فلا ينجون".

(يتبع)



([1]) حتى أنه كتب فيما بعد إلى مؤمني كورنثوس، منبهاً ألا تشغلهم هموم الحياة، مع قرب نهاية الأيام، أن "الوقت منذ الآن مقصر، لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم، والذين يبكون كأنهم لا يبكون، والذين يفرحون كأنهم لا يفرحون، والذين لا يشترون كأنهم لا يملكون، والذين يستعملون هذا العالم كأنهم لا يستعملونه. لأن هيئة هذا العالم تزول. فأريد أن تكونوا بلا هم.." (1كو7: 29-32).

([2]) بصورة ما، كاختطاف أخنوخ (تك5: 24، عب 11: 5) أو إيليا (2مل 2: 11).

([3]) "يُزرع في فساد ويقام في عدم فساد. يُزرع في هوان ويقام في مجد. يُزرع في ضعف ويقام في قوة. يُزرع جسماً حيواناً ويقام جسماً روحانياً" (1كو15: 42-44).

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات.

.‏‏Saint Mark's Orthodox Fellowship, PO Box 6192, Columbia, MD, 21045