مذكرات مختصرة عن الكتاب المقدس

-69-

رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل تسالونيكى

 

(الجزء الخامس)

 

الأصحـاح الرابع

1- القديس بولس يحث مؤمني تسالونيكي على سلوك يرضي الله خاصة ما يتعلق بالطهارة (4: 18)

بعد الحديث الشخصي والتعبير عن محبته وفرحه بما سمعه عن إيمانهم، ودعواته لهم بالنمو في المحبة بعضهم لبعض، وأن يثبِّت الله قلوبهم في القداسة في انتظارهم المبارك لمجيء الرب مع جميع قديسيه؛ ها هو القديس بولس يقدم وصاياه وتوجيهاته الروحية للمؤمنين الجدد الذين عليهم أن يجاهدوا لكي يتخلصوا من ميراث حياتهم الأولى، مذكِّراً بما سلّمه إليهم من قبل من ترجمة إيمانهم إلى سلوك عملي أمين، يتبني وصايا إنجيل المسيح ويطيعها، ويسير على نورها إرضاءً للرب، وحاثًّا إياهم أن يثابروا على ذات النهج، وأن يزدادوا فيه أي أن ينموا فيه علواً وعمقاً.

+ ومدركاً الأخطار التي تحاصر من آمنوا من الأمميين، وتحاصرهم الثقافة والعادات الوثنية التي مارسوها يوماً، فهو، من ثم، يدعوهم مخلِصاً بالامتناع عن الزنا (خر14:20) لافتاً إلى أن "هذه هي إرادة الله : قداستكم". فالذين آمنوا غايتهم طاعة الله ووصيته وإرادته المقدسة.

والأمر لم يكن سهلاً. فلم يكن الزنا في نظر الأمم الوثنية معصية أدبية أو أخلاقية، على الأقل بالنسبة للرجال، بل أنه كان أحياناً جزءاً من عبادة بعض الآلهة الوثنية، وبعض الكاهنات كن يمارسن هذه الخطيئة كطقس رئيسي خلال العبادة الوثنية. من هنا كان انتباه القديس بولس ويقظته في الإلحاح على التحفظ من هذه الخطيئة التي "طرحت كثيرين جرحى وكل قتلاها أقوياء" (أم 7: 26)، وحصارها بالهروب منها (1كو18:6)، والتوبة وطلب معونة الله، والنأي عن خلطة الأشرار، كي يقتلعوها تماماً من حياتهم.

وهو ثابر على تحذير الأمم التي قبلت الإيمان من هذه اللعنة، منبهاً أن "لا زناة.. يرثون ملكوت السموات"، وأن "الجسد ليس للزنا" (1كو10:6، 13)، ويخاطبهم "أن أجسادكم هي أعضاء المسيح. أفآخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية؟ حاشا.. فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله" (1كو15:6، 20).

+ ويواصل كلماته في نفس السياق، أنه يتفق أيضاً مع أن إرادة الله هي قداستهم "أن يعرف كل واحد منكم أن يقتني إناءه بقداسة وكرامة (شرف Honor)". وفي الأصل اليوناني فإن كلمة "إناءه" (تعني وعاء vessel ، vase) وتتعدد معانيها كتابياً. فهي قد تقصد "الجسد" body [وهي الكلمة المستخدمة في الترجمة العالمية الجديدة New International Version]، باعتبار أن الجسد هو إناء وهيكل للروح القدس (1كو16:3، 19:6)، وهو المعنى المستخدم هنا، والمقصود أن يحفظ المؤمن جسده مقدساً كريماً دون خضوع لجموح الشهوة الخاطئة.

+ وهي ثانياً قد تعني النفس أو الكيان الإنساني كما جاء في رسالة القديس بولس الثانية إلى أهل كورنثوس "ولكن لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفية Jars of clay ليكون فضل القوة لله لا منا" (2كو 4: 7)، حيث يقابل بين قوة إنجيل مجد المسيح وعمل نعمته المخلّصة، وبساطة المبشرين بالإنجيل وضعفهم وقصورهم، وشبههم بأوان خزفية تحوي كنزاً ثميناً، لكي لا ينسب إليهم أحد قوة عمل الله وإنما لله صانع الخلاص، والذي يفيض بعطاياه على خدامه الخالين من كل موهبة: الجهال والضعفاء والأدنياء والمزدرى وغير الموجود (1كو26:1-28).

وأيضاً كما جاء في رسالته إلى رومية (رو20:9-24) وهو يقابل بين طلاقة قدرة الله وسلطانه بإزاء الإنسان المخلوق من تراب. ومن ناحية المبدأ فالله كأنه الخزاف، والإنسان أمامه كتلة من الطين، له السلطان "أن يصنع من كتلة واحدة إناء pottery للكرامة وآخر للهوان" ومع هذا فإن الله، محب البشر، بيّن غنى مجده على آنية رحمة قد سبق فأعدها للمجد (بحسب علمه السابق رو8: 29، 30).

+ كما قد تعني (بالتخصيص) الزوجة، كما استخدمها القديس بطرس في رسالته الأولى في سياق توجيهاته لأفراد العائلة المسيحية. فيقول للرجال: "كونوا ساكنين بحسب الفطنة مع الإناء النسائي([1]) كالأضعف، معطين إياهن كرامة، كالوارثات أيضاً معكم نعمة الحياة، لكي لا تعاق صلواتكم" (1بط3: 7).

فهو يناشدهم تغيير ذهنيتهم التقليدية التي تميّز ضد المرأة واعتبارها أدنى من الرجل، وعلى العكس أن يتصرفوا بفطنة وأن يعاملوهن بكرامة، باعتبار أنهن هن أيضاً هياكل أو آنية يسكن فيها روح الله كالرجال. ولكن لا يليق أن يتجه الذهن في تفسير كلمة "الإناء النسائي" هنا، بحسب السياق، إلى المعنى الجنسي، لأن هذا يحقّر من أمر الزواج، ويختزله في العلاقة الجسدية البحتة، ويجعل من الزوجة مجرد إناء لتحرير الشهوة.

+ وهو ينفِّر المؤمنين الجدد من خطية الزنا بأن يقرنها بالأمم، من هنا فسلوك المؤمن لابد أن يختلف اختلافاً جذرياً عن سلوك غير المؤمن. فالوصية بدأت، سلبياً، بالامتناع عن الزنا "اهربوا من الزنا" (1كو18:6)، وإيجابياً، بأن يحفظ المؤمن نفسه بلا دنس، وأن يقتني جسده بقداسة وشرف، وأيضاً لئلا يشاركوا الأمم "الذين لا يعرفون الله" في انسياقهم وراء شهوة النجاسة واستعبادها لهم.

+ وامتداداً لوصية الرسول عن الطهارة، والتحفظ من الحياة السابقة النجسة، فهو يحث المؤمن أن يتصرف بالعفة والأمانة في تعامله مع أخيه وجاره وجارته "في هذا الأمر"، فلا تقتحم العين أو الفكر حدود الآخر أو تتطاول عليه، أو "تطمع على أخيه في هذا الأمر"، مجدداً الوصية الخاتمة للوصايا العشر "لا تشته بيت قريبك. لا تشته امرأة قريبك.. ولا شيئاً مما لقريبك" (خر17:20)، ومنبهاً إلى طاعة وصية الله التي تدين الخطية وتجازي الخاطيء، "لأن الرب منتقم لهذه كلها"، مؤكداً على ما أوصى به وشهد من قبل وهو "أن الله لم يدعُنا للنجاسة بل في القداسة" (التي بدونها لن يرَ أحد الرب عب14:12). ونحن عندما نعصي الوصية ونتجاهلها، فهذا ليس أمراً هيناً، لأننا هنا لا نرذل إنساناً "بل الله الذي أعطانا أيضاً روحه القدوس" الذي يقدس الجسد والنفس والروح. فننتبه.

2- وهو يحث أيضاً على محبة الإخوة (4: 9 12)

والقديس بولس هنا يؤكد أنه لا يحتاج أن يوجههم إلى محبة الإخوة كأنها وصية جديدة، باعتبار أنهم "متعلمون من الله أن يحب بعضهم بعضاً"، وأنهم بالفعل يقدمون محبتهم لا لإخوتهم فقط الذين في تسالونيكي بل "في مكدونية كلها" (أي فيلبي وبيرية وأمفيبوليس وغيرها)، وهو يطلب إليهم أن ينموا أكثر وأكثر في هذا الاتجاه.

ولكن الأعداد التالية تكشف ما كان يشغله في هذا الصدد. فبينما اتسع قلب مؤمني هذه الكنيسة للوافدين إليهم من مدن مكدونية الأخرى، إلا أنه كان يرى في سلوك بعض هؤلاء ما يدعو إلى الانتقاد كإثارتهم للشغب والضوضاء والتدخل في شئون الآخرين([2])، فضلاً عن التكاسل عن العمل والتطفل على الآخرين، والاعتماد على مساعدات الكنيسة دون أن يتعبوا من أجل الحصول على أودهم، ربما بحسب اعتقاد البعض عن قرب مجيء المسيح بما يعفيهم من العمل والكد.

وربما كان هناك أختلاف في النظرة بين اليهود والأمم فيما يتعلق بقيمة العمل. فبينما أحتقر اليونان العمل اليدوي وقصروه على العبيد، أحترم اليهود العمل اليدوي وكان لزاماً على كل غلام يهودي مهما بلغ غناه أن يتعلم حرفة ما. هكذا عمل المسيح في النجارة (مت13: 55)، وكان القديس بولس خيّاماً (أع3:18). وهنا يؤكد القديس بولس على مبدأ هام في الأخلاق المسيحية، أن على كل مؤمن أن يسهم بنصيبه لخير الجماعة كلها. والكتاب يقرن الكسل بالشر "أيها العبد الشرير والكسلان" (مت25: 26)، وعلى كل قادر على العمل أن يمجد الله بعمله ليكون له أن يعطي من دخله المحتاج العاجز عن العمل. وهو نفس التوجه الذي أوصى به القديس بولس المغلوبين من خطية السرقة حيث قال "لا يسرق السارق في ما بعد، بل بالحري يتعب عاملاً الصالح بيديه، ليكون له أن يعطي من له احتياج" (أف4: 28). فهو يستثير في السارق كرامته الإنسانية ليعمل ويحصل على دخله بشرف، وليكون له عندها أن يعطي من له احتياج، فيتحول من الأخذ الحرام إلى العطاء المبارك.

وهو يشجعهم على العمل، طالما هم قادرون عليه، كي لا تكون لهم حاجة إلى أحد، وكي لا يضطروا إلى الإثقال على الآخرين بحاجتهم دون داعٍ، مما يراه سلوكاً معثراً لا يليق مع "الذين هم من خارج" (أي غير المؤمنين) فيجلبون، بالتالي، التقوّل والانتقاد على الجماعة المؤمنة والاساءة إلى اعتقادهم أيضاً. (يتبع)



([1]) في الترجمة العالمية الحديثة : تكتب صريحة your wives.

([2]) كما بدا ذلك أيضاً فيما كتبه في رسالته الثانية منتقداً نفس الأمور "ثم نوصيكم أيها الإخوة، باسم ربنا يسوع المسيح، أن تتجنبوا كل أخ يسلك بلا ترتيب.. أوصيناكم بهذا: إنه إن كان أحد لا يريد أن يشتغل فلا يأكل أيضاً. لأننا نسمع أن قوماً يسلكون بينكم بلا ترتيب، لا يشتغلون شيئاً بل هم فضوليون" (2تس 6:3، 10، 11).

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات.

.‏‏Saint Mark's Orthodox Fellowship, PO Box 6192, Columbia, MD, 21045