مذكرات مختصرة عن الكتاب المقدس

-68-

رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل تسالونيكى

 

(الجزء الرابع)

 

الأصحـاح الثاني (تكملة)

3- رغبة الرسول في زيارتهم التي لم تتحقق (2: 17 20)

يعود الرسول إلى توجيه الحديث إلى مخدوميه وهو يعبر عن محبته وافتقاده لهم وإنما "بالوجه" فقط إذ أنهم بالقلب حاضرون لا يغيبون عنه، وكيف اجتهد بالتالي (أنا بولس)([1]) كي يراهم، لا مرة واحدة بل مراراً، ولكن عدو كل خير (إله هذا العالم 2كو 4:4) الذي يقاوم عمل الله (أف 6: 12) عاق رغبته (ربما بسبب المرض أو المقاومة أو عقبات السفر).

وهو يدلل على صدق رغبته في زيارتهم وافتقادهم بمدحهم ومؤكداً على موقعهم الأثير عنده، ويصفهم بكلمات تمتلئ بالعاطفة "رجاؤنا وفرحنا وإكليل افتخارنا" ليس هنا فقط وإنما أيضاً "أمام ربنا يسوع المسيح في مجيئه" فهم ثمار خدمته الذين سيتقدمونه أمام عرش المسيح في اليوم الأخير، ليصيروا رجاءه المضاف إلى إيمانه وجهاده وعطائه وما احتمله من آلام من أجل المسيح، وهم مصدر فرحه بأن تعبه لم يضع هباءً وإنما اجتذبهم للرب، كما أنهم "إكليل افتخاره" الذي يضاف إلى إكليل بره (2تي 4: 8). وهو كأنما يقول مثل سيده "ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم الله" (إش 8: 18، عب 2: 13). فهو قد أُرسل وحده إلا من قوة الروح القدس وعاد بجمهور كبير صاروا سبب افتخاره، بل وأكثر من ذلك سيكونون سبباً مضافاً لمجده في اليوم الأخير يضاعف من فرحه "لأنكم أنتم مجدنا وفرحنا" (2: 20).

الأصحـاح الثالث

 

1- القديس بولس يرسل تيموثاوس لرعايتهم وتثبيت إيمانهم (3: 15)

+ (3: 1، 2): بعد أن عبّر القديس بولس في ختام الأصحاح الثاني عن شوقه لرؤيتهم، ورغبته في زيارتهم التي لم تتحقق لعوائق يثيرها عدو الخير (2: 17، 18)، بيّن أنه إذ لم يحتمل أن ينتظر أكثر، ارتضى أن يبقى وحده في أثينا، مدينة الأصنام الرافضة لرسالته، وأن يرسل لهم تيموثاوس والذي يسميه "أخانا، وخادم الله، والعامل معنا في إنجيل المسيح (أي في نشر الأخبار السارة والكرازة بالخلاص) حتى يثبتكم ويعظكم".

فكلمة الوعظ ليست كأي كلمة لأنها تستخدم كلمة الله المكتوب عنها أنها "القادرة أن تبنيكم وتعطيكم ميراثاً مع جميع المقدسين" (أع20: 32)، و"القادرة أن تحكّمك (أي تصيّرك حكيماً) للخلاص (أي تقبل الخلاص لإنقاذ نفسك من الموت)" (2تي 3: 15)، و"القادرة أن تخلص نفوسكم" (يع1: 21)، لأنها تحمل فيها قوة الروح القدس المحيي، الذي يسلط نوره على ظلمة النفس، ويستثير التوبة، ويلد من جديد.

والمؤمنون الجدد في حاجة إلى دوام الافتقاد والمتابعة، حتى ينمو إيمانهم الوليد، وتكمل معرفتهم، ويشتد عودهم، حتى يصمدوا أمام الصعاب القادمة.

+ (3: 3-5): فالضيقات تنتظر الجميع "لأننا موضوعون لهذا". ويذكّرهم القديس بولس أنه سبق فقال لهم "إننا عتيدون أن نتضايق"، من ثم ها أنا أرسلت إليكم تيموثاوس "لكي أعرف إيمانكم لعل المجرِّب يكون قد جربكم فيصير تعبنا باطلاً". ولمَ لا يجربهم إبليس وقد جرَّب الرب قبلهم (مت4: 1-11)، وهو قادر على التدخل الشرير وتكدير حياتنا (2كو 12: 7-10، أف 2: 1-3، 6: 11، 12).

فالتجارب جزء من خطة الله لدعم الإيمان والإرادة (يع1: 2-4)، وتدريب المؤمنين على مواجهة الاضطهاد من أعداء الإيمان. بل إن آلام المؤمنين وعداوة العالم لهم هي علامة لا تخيب على صدق إيمانهم وتبعيتهم للمخلص، بحسب قول الرب لتلاميذه قبل آلامه "لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته. ولكن لأنكم لستم من العالم... لذلك يبغضكم العالم" (يو19: 15). ولكن للآلام مع هذا مردودها الروحي الغني. فمع الآلام تثبت في النفس فضائل عظمى مثل الصبر والاحتمال، والشركة مع الآخرين الذين يجتازون أتعاباً أو ضيقات أو آلاماً، والتحلل من أباطيل هذا الزمان، والشفاء من ثنائية الحياة.

على أنه ينبغي التأكيد أن آلام الإيمان هذه ليست منسية قدام الله "إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضاً معه" (رو8: 17)، و"لكي تكون تزكية إيمانكم.. توجد للمدح والكرامة والمجد عند استعلان يسوع المسيح" (1بط 1: 7)، و"لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً" (2كو4: 17).

قد لا يعفينا الله من التجارب، ولكنه إن سمح بها فإنه يمنح معها قدرة لا تُغلب على قبول الآلام بالشكر من يده المثقوبة. مع هذا، فالله، ضابط الكل، أمين الذي "لا يدعكم تُجربون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضاً المنفذ لكي تستطيعوا أن تحتملوا" (1كو10: 13).

2- اغتباط القديس بولس بما حمله إليه تيموثاوس عنهم (3: 6 10)

شكراً لله فالأخبار التي حملها تيموثاوس كانت مبشّرة، فقد أخفق عدو الخير أن يجربهم ويبدد تعب خدمة القديس بولس.

+ وها هو يكتب لكنيسة تسالونيكي كيف أنه تعزى، رغم ضيقته وتعثر خدمته في كورنثوس، بما عرفه عن ثبات إيمانهم، وأيضاً بأن لا يزال له عندهم "ذكراً حسناً كل حين"، وأن لهم شوقاً مثله أن يروه كما يتوق أيضاً أن يراهم. وهو قد اجتاحه الفرح حتى ليرى نفسه قاصراً عن أن يقدم شكراً وافياً "إلى الله" من جهتهم مقابل "كل الفرح الذي نفرح به من أجلكم قدام إلهنا".

فالفرح هبة من الله لتعزية خادمه الأمين، والشكر هنا بالطبع موجه "إلى الله" في المقام الأول. وعلينا كمؤمنين أن نشكر الله عندما نصادف من تنفتح قلوبهم على الرب وأن نصلي من أجل نموهم في الإيمان.

+ ثم يوجّه القديس بولس خطابه إلى مؤمني تسالونيكي معبّراً عن رغبته القوية "نهاراً وليلاً" أن يأتي إليهم كي "يكمّل نقائص إيمانهم". فهو رغم ابتهاجه بما بلغَه عنهم، إلا أنه يعرف أن إيمانهم، كمبتدئين، لم يكتمل بعد، وبالتالي فهو، كراعٍ مخلصٍ لشعبه، يشعر بالتزامه أن يواصل خدمتهم كي ينضج إيمانهم، ويكمّل ما كان ناقصاً فيه. فالإيمان حياة كاملة تبدأ كنبتة صغيرة تحتاج للسقي والعناية والرعاية، كي يثبت الإيمان ويصمد قوياً أمام التجارب والحروب الروحية والاضطهاد، خاصة عندما تكون البيئة والعادات السائدة والحياة السابقة تتنافى مع مبادئ شريعة المسيح.

3- صلاة القديس بولس لأجل نموهم وثباتهم (3: 11 13)

+ والقديس بولس في إعلان رغبته للمجئ إليهم وخدمتهم لا يتكلم للمجاملة، وإنما هو، على العكس، يبتهل صادقاً إلى الله الآب والرب يسوع المسيح كي يهدي طريقه إليهم([2])، أي أن ييسر له ويزيل العقبات من أمامه لتتحقق آماله.

+ وهو يصلي من أجلهم لكي ينميهم الرب ويزيدهم في المحبة بعضهم لبعض وللجميع. فالخادم الحق يصلي من أجل مخدوميه لكي ينمو إيمانهم، وأن تزيد محبتهم فيما بينهم وللكل حتى للغريب وللعدو. فهي علامة تبعيتهم لإله المحبة الذي أوصى تلاميذه في آخر أحاديثه "بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي. إن كان لكم حب بعضاً لبعض" (يو13: 35).

+ كما يسأل الله أن يثبّت قلوبهم "بلا لوم في القداسة"، وحياة الطهارة، والنأي عن حياة العالم. وهو ينقل ذهنهم إلى يوم لقائهم أمام الله الآب عند "مجئ ربنا يسوع المسيح مع جميع قديسيه"، لأنه يوم تأسيس ملكوته الأبدي، وتمجيد الأمناء، وإعلان المجازاة للأبرار وأيضاً لمن تعالوا على الرب ورفضوه (مت 16: 27، 25: 31، مر8: 38، لو9: 26)، وعلينا أن نكون مستعدين دوماً لهذا اليوم.

(يتبع)



([1]) في هذا الوقت كان القديس بولس وحده وكان تيموثاوس قد أوفد إلى تسالونيكي، وبقي سيلا فترة من الوقت في بيرية بعد ذهاب الرسول إلى كورنثوس ليكون قريباً منه.

([2] ) - وإن لم يسجل الكتاب أن القديس بولس قد عاد مرة أخرى إلى تسالونيكي. ولكن المعروف أنه في رحلته الثالثة في أسيا انضم إليه أرَستَرخُس وسكندُس وغايوس وتيموثاوس قادمين من تسالونيكي والتقوه في ترواس (أع20: 4، 5).

_____________________________________________________________________________

 

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات

)أنظر Response card).