مذكرات مختصرة عن الكتاب المقدس

-67-

رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل تسالونيكى

 

(الجزء الثالث)

 

الأصحـاح الثاني

1- تعب الرسول في خدمته (1:2-12)

+ (1:2، 2) تحمل الكلمات الأولى من الأصحاح الثاني طابع الدفاع وتفنيد الادعاءات التي أثارها أعداء إنجيل المسيح بعد تركه لتسالونيكي. وهو يذكرهم أن مجيئه إليهم في البداية (أع1:17-9) جاء عقب ما عاناه مع سيلا في فيلبي من آلام وبغْي ومهانة وسجن بتهم زائفة، أثارها من كانوا ينتفعون من وراء جارية بها روح عرافة الذي لما انتهره القديس بولس باسم المسيح فخرج منها فقد مواليها مكسبهم فكان غضبهم الذي ساقه إلى السجن والضرب بالعصي (رغم جنسيته الرومانية) وما نجم عنه من جراح (أع 16: 11-34).

وهو خرج وسيلا من فيلبي مضطراً تحت ضغط الرومان (أع 16: 39، 40). ولكن ما لاقاه من مقاومة عنيفة لم يجعله يركن إلى الاستكانة والخلود إلى الراحة بل زاده عزماً على مواصلة كرازته بالإنجيل في تسالونيكي أو كما يقول: "جاهرنا في إلهنا أن نكلمكم بإنجيل الله في جهاد كثير" (2:2)، وهو ما أعطى ثماره، وهكذا لم يكن دخوله إليهم باطلاً أو بلا طائل وإنما كان له مردوده وجائزته.

+ (3:2-7) وهو يصف خدمته بينهم أنها كانت تتسم بالحق المجرد ولا تقصد مجد الناس والشهرة أو الفائدة المادية كما يفعل الدعاة الكذبة الذين يخدمون أنفسهم "لأن وعظنا لم يكن عن ضلال ولا عن دنس ولا بمكر". فهو لم يكن يعتمد على مهارة الكلام ولا الذكاء البشري ولا التوسل لإرضاء الغرائز، وإنما كغيره من الخدام الذين اختارهم الله وائتمنهم على إنجيله لم يسع يوماً لمجد الناس ولم يقصد أن يتملقهم كذباً ويرضيهم بمعسول الكلام أو طمعاً في مكافأة أو اتجاراً بعمل الله، وإنما أن يرضي الله فاحص القلوب والكلى "الذي يختبر قلوبنا" (2: 4) ويطلب مجده.

وهو سبق في رسالته إلى أهل غلاطية أن أعلن شعاره: "فلو كنت بعد أُرضي الناس لم أكن عبداً للمسيح" (غل 10:1) "ولا -نحن- طلبنا مجداً من الناس لا منكم ولا من غيركم" (2: 6).

ويضيف: كان ممكناً أن نسعى إلى ما نستحقه من كرامة ووقار وسلطان كرسل المسيح أعمدة الكنيسة، ونرضى بتوقير الناس لنا وتهيّبهم منا، ولكننا مارسنا خدمتنا "لا كرسول من الناس ولا بإنسان" (غل 1:1) بل كرسل حقيقيين قدوتهم يسوع المسيح الذي قال: "مجداً من الناس لست أقبل" (يو 5: 41). من هنا فقد عاملناكم أنا وإخوتي بكل رفق وحنو "كمرضعة تربي أولادها" وتدرك مدى قدرتهم فهي تقترب إليهم وتحيطهم بكل الحب واللطف والعطاء، وتتعهدهم بالرعاية والمتابعة وهم ينمون في النعمة وفي معرفة الله.

+ (2: 8-12) ويواصل "هكذا إذ كنا حانّين إليكم كنا نرضى أن نعطيكم لا إنجيل الله فقط بل أنفسنا أيضاً لأنكم صرتم محبوبين إلينا" (2: 8).

ها هو الخادم الأمين يكشف عن مدى عطائه كتلميذ مخلص لمن دعاه، تعلّم من سيده ألاّ حدود هناك لخدمة الخادم: "إن كان أحد يأتى إلى ولا يبغض.. حتى نفسه أيضاً فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً" (لو 14: 26). أو كما قال لقسوس كنيسة أفسس، وهو يودعهم في طريقه إلى أورشليم في ختام رحلته الثالثة: "إن وُثُقاً وشدائد تنتظرني، ولكنني لست أحتسب لشيء ولا نفسي ثمينة عندي حتى أتمم بفرح سعيي والخدمة التي أخذتها من الرب يسوع لأشهد ببشارة نعمة الله" (أع 20: 23، 24). كما قال بعدها لمن توسلوا إليه باكين ألا يذهب إلى أورشليم خوفاً على حياته "ماذا تفعلون؟ تبكون وتكسرون قلبي. لأني مستعد لا أن أُربط فقط، بل أن أموت أيضاً في أورشليم لأجل اسم الرب يسوع" (أع 21: 13).

فهو أمام مقاومة اليهود ومطاردتهم له كان متأهباً للموت من أجل مخدوميه الذين أحبهم. ومن أجل ألا يثقل عليهم بحاجاته ويكون عبئاً عليهم فقد كان يعمل ليلاً ونهاراً في حرفته كخيّام (أع 3:18) كي يعول نفسه ولا يكلفهم الاعتناء به، وهو ما لم يجعله يوماً في مركز الضعيف كسير العين وإنما المتحرر من كل الضغوط أمام من يخدمهم "أنتم تعلمون أن حاجاتي وحاجات الذين معي خدمتها هاتان اليدان" (أع 34:20) "ونتعب عاملين بأيدينا" (1كو 12:4).

وهو ما كرره في رسالته الثانية إلى أهل تسالونيكي "لأننا لم نسلك بلا ترتيب بينكم ولا أكلنا خبزاً مجاناً من أحد بل كنا نشتغل بتعب وكدّ ليلاً ونهاراً لكي لا نثقل على أحد منكم" (2تس 3: 7، 8) وما ذكره فيما بعد في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: "لكننا لم نستعمل هذا السلطان بل نتحمل كل شيء لئلا نجعل عائقاً لإنجيل المسيح" (1كو12:9)، هذا رغم حقه كخادم الله أن يتعيّش من خدمته بحسب الكتاب "أن الفاعل مستحق أجرته" (لو 10: 7، 1تي 5: 18) "هكذا أمر الرب أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون" (1كو 9: 14).

وهو يُشهدهم كما يُشهد الله على استقامته خلال خدمته لهم "بطهارة وببر وبلا لوم" في تقوى وعفة ودون شائبة يُلام عليها : جاعلين أنفسنا لكم قدوة "كالأب لأولاده" واعظين "كل واحد" ومقدمين المحبة والتشجيع إلى أن تثبتوا وينضج إيمانكم، و"نُشهدكم (أي ندعوكم ونطلب تعهدكم).. لكي تسلكوا كما يحق لله الذي دعاكم إلى ملكوته ومجده" (2: 12)، فقد قبلتم الملكوت بالإيمان والمعمودية، كما أن غاية الإيمان أن تتمجدوا معه في ملكوته السماوي.

2- شكر الله على ثباتهم في الإيمان رغم الاضطهاد (2: 13 16)

+ (2: 13، 14) يجدد القديس بولس الشكر لله "بلا انقطاع" لأن التسالونيكيين قبلوا كلمة الكرازة والتعليم لا كأنها "كلمة أناس" أي كلام مرسل بغير فاعلية وإنما "كما هي بالحقيقة ككلمة الله" الحية الفعالة "التي تعمل أيضاً فيكم أنتم المؤمنين". وعلامة صحة إيمانكم وقوته هو ثباتكم وصمودكم أمام آلام الاضطهاد والمقاومة وهكذا "صرتم متمثلين بكنائس الله التي هي في اليهودية في المسيح يسوع". فالذين آمنوا في المناطق اليهودية عانوا من إخوتهم اليهود "كما تألمتم أنتم أيضاً من أهل عشيرتكم (الأمميين) تلك الآلام عينها"، والشر دائماً يقاوم الخير وإبليس لا يهدأ في مقاومة الكرازة للخلاص "وأعداء الإنسان أهل بيته" (مي 6:7، مت10: 36).

+ (2: 15، 16) وهو يتوقف هنا ليعبّر مضطراً عن مشاعره الجريحة وحزنه العظيم ووجع قلبه الذي لا ينقطع من موقف اليهود (إخوته أنسبائه حسب الجسد رو 9: 2، 3) الذين رفض أكثرهم الإيمان رغم أنهم كانوا المقصودين بالخلاص كباكورة ثم يتبعهم الأمم، ولكنهم-ويا للحزن- "قتلوا الرب يسوع" كما قتلوا "أنبياءهم واضطهدونا نحن" وعوقوا مسيرتنا وحرضوا على سجننا ورجمنا وقتلنا، فهم "يمنعوننا عن أن نكلم الأمم لكي يخلصوا" وذلك بكل الوسائل والمكائد. وهم بذلك يواصلون تتميم خطاياهم كل حين.

وهو يخلص إلى أنهم بأفعالهم ومقاومتهم للحق (1) "غير مُرضين لله" مثلهم مثل الذين هم في الجسد "لا يستطيعون أن يرضوا الله" (رو 8:8)، (2) وأنهم "أضداد لجميع الناس" لأنهم في رضاهم عن أنفسهم واحتكارهم للمعرفة واعتبار أنهم وحدهم "شعب الله المختار" ذوو المكانة الخاصة، يتعالون على سائر الشعوب ويحتقرونهم ويعتبرونهم نجسين ويجردونهم من علاقتهم بخالقهم الذي "أحب العالم" (يو 3: 16) والذي يريد أن "جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون" (1تي 2: 4)، ومن هنا (3) هم أي من سيصرّون منهم على رفض المسيح إلى النهاية- سائرون إلى مصيرهم المحتوم إذ "قد أدركهم الغضب إلى النهاية" (2: 16) (والذي تحقق بخراب أورشليم والهيكل بعد كتابة هذه الرسالة بنحو عقدين فقط).

3- رغبة الرسول في زيارتهم التي لم تتحقق (2: 17 20)

(يتبع)

____________________________________________________________________________

 

رجاء: رابطة القديس مار مرقس الأرثوذكسية ترجوك أن تقوم بدراسة الكتاب المقدس والأرثوذكسية وتشجيع الآخرين على دراستهما ‏وعمل نسخ من هذه المذكرات لتوزعها على أصدقائك، والرابطة ترحب بأى أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات

)أنظر Response card).